lundi 29 février 2016

حرية التعبير: بين الضوابط القانونية والأخلاقية ومخاطر الانفلات


Description: C:\Users\lenovo\Desktop\Mtre ahmadi\DSC_4597.jpg

حرية التعبير:
بين الضوابط القانونية والأخلاقية ومخاطر الانفلات
                                                           بقلم الأستاذ عبد الله الاحمدي

تعدّ حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الإنسان، وقد أجمع على ذلك شُرّاح القانون. كما كرّست نصوص كثيرة هذا الحق، وقد جاء في القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 7 ديسمبر 1976 "إن حريّة التعبير من أهم أسس المجتمع الديمقراطي وهي من شروط تقدم وإزدهار كل فرد".
وأكد المجلس الدستوري الفرنسي في قراره المؤرخ في 10 أكتوبر 1984 أن "حرية إيصال الآراء والأفكار أساسية وثمينة، وأن مُمارستها هي من بين الضمانات الأساسية لاحترام بقية الحقوق والحريات والسيادة الوطنية".
وأضاف المجلس نفسه في قرار آخر صادر في 29 جويلية 1994 "إن حرية التعبير عن الآراء والأفكار تقتضي حق كل فرد في اختيار الألفاظ التي يراها كفيلة بالتعبير عن تفكيره".
إن هذه القرارات القضائية تؤكد أهمية حرية التعبير التي كرّستها بالخصوص ما اصطلح على تسميته "بالشرعة الدُولية لحقوق الانسان" ومن ذلك أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرّت لكل شخص "حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ".
وتضمّنت هذا الحق ذاته المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه تونس. وهو أصبح أعلى من القوانين طبق الفصل 21 من الدستور الجديد.
ولا جدال في أنّ أهم نص أقرّ حريّة التعبير هو الفصل 31 من دستور 27 جانفي 2014 الذي تضمن أن " حريّة الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة".
وغنِي عن البيان أنّ الدّستور يعلُو كُلّ النصوص الأخرى، وعلى المشرّع عند سنّ القوانين أن يحترمه وذلك بعدم المصادقة على أيّ قانون مخالف للدستور، وتتولى المحكمة الدستورية مراقبة دستورية القوانين.
تجاوز الحدود عند ممارسة حرية التعبير
وفي تقديرنا أنّ من أهم مكاسب ثورة 14 جانفي 2011 حريّة التعبير، غير أن المتتبع لوسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة يلاحظ أن هناك أحيانا انفلاتا إعلاميا كبيرا قد يكون مبنيا على سوء فهم حرية التعبير والتّعسف في استعمالها بطريقة مخالفة لأخلاقيات حرية التعبير والإعلام وخرق للقانون والإساءة للغير، إلى درجة أنّ بعض الملفات التلفزية انقلبت المناقشات والحوارات فيها الى اللّجْلجةِ وضرْب من الغوْغائية والمشاجرة والتّلاسن وحتى استعمال الكلام البذيء المخل بالحياء وإلى تبادل الشتم والسّب والقذف في مفهومه القانوني الجزائي وأحيانا يكاد يؤول الامر إلى تبادل العنف أو التهديد به وتشابك الأصابع. ومما يحزّ في النفوس، أن تصدر مثل هذه التصرفات المخجلة عن بعض المنتمين إلى ما يسمّي "بالطبقة المثقفة" ولا خير في ثقافة بدون أخلاق وفي هذا السياق يقول الزعيم المصري سعد زغلول " نحن لسنا محتاجين لكثير من العلم ولكننا محتاجون لكثير من الأخلاق".
ونحن نقول رُبّ أُمِيّ متخلّق أفضل من مثقّف عديم الأخلاق.
كما ان بعض تلك التصرفات تصدر عمّن يصفون أنفسهم بالحقوقيين وهو مفهوم غير واضح وقد كثر هذا الصنف من الأشخاص ولا نعلم من منحهم هذه الصفة وعلى أي أساس؟
وهناك ظاهرة تتمثل في أن أَرْهُطًا من الأشخاص ينتقلون من منبر الى آخر ويحظون بإستضافات متكررة من لدن بعض وسائل الاعلام في حين أنهم لا يحترمون أدبيات الحوار وضوابطه القانونية والأخلاقية، وجُبِلُوا على التّشنّج والإستفزاز وإفتعال "الفرجة" والحال أنه من المفروض الأخذ بعين الاعتبار لهذه المعطيات عند إختيار الضيوف، ومن حسن الحظ ان هذا النوع من الأشخاص قليل.    
ضوابط حريّة التعبير
وإذا كان التحمس للأفكار والدفاع عنها أثناء المناقشات أمرا عاديّا، وأنّ من حق كل مواطن أو مسؤول سياسي أو جمعياتي أن يعبّر عن أفكاره، فإنه لا بدّ من احترام بعض الضوابط المستمدة من أدبيات الحوار وأخلاقيات الإعلام ومن وجوب احترام القوانين الجاري بها العمل، والتي تحمي المجتمع والنظام العام وتحفظ حرمة الحياة الخاصة والآداب العامة.
ويجدر التذكير هنا بفصل هام في الدستور، يبدو أن العديد من الأطراف تناسوه أو أنهم غير واعين بمقاصده وأبعاده ونعني الفصل 49 الذي ينص على أنه " يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها، ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية، وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة والآداب العامة وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها ... وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أيّ انتهاك".
ونجد المبدأ نفسه بالفصل الأول من المرسوم عدد 115 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر الذي ينص على أنه "لا يمكن التقيد من حرية التعبير إلا بمقتضى نص تشريعي".
ويؤخذ من هذين النصين أن الحقوق والحريات (ومنها حرية التعبير والإعلام طبعا) ليست مطلقة، بل تخضع لضوابط جعلت لعدم تجاوز حدود لا تقل أهمية عن حرية التعبير أو الإعلام، منها حماية حقوق الغير والأمن العام أو الآداب العامة، ومنها بالخصوص الأخلاق. فالحق في حرية التعبير لا يخوّل المسّ بحقوق الآخرين وشتمهم وهتك أعراضهم أو النيل من حرمتهم.
وتستوقفنا في هذا السياق، ما نصّت عليه المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وقد جاء فيها: "الحق في حرية التعبير يتضمن واجبات ومسؤوليات وإخضاعه لشكليات إجرائية وشروط وقيود وعقوبات محدودة في القانون حسبما تقتضيه الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي وسلامة الأراضي وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب وإحترام الآخرين ومنع إفشاء الأسرار أو تدعيم السلطة أو حياد القضاء".
ويُستشف من هذه النصوص القانونية أن حرية التعبير لها حدود، بل تخضع لضوابط وقيود تقتضيها عدة اعتبارات، منها المصلحة العامة والأمن القومي وحماية المجتمع والمصلحة العليا للبلاد وحماية ما يعرف بالرابطة الاجتماعية.
كما يرى جلّ شرّاح القانون أنّ أساس تسليط عقوبات على مرتكبي ما سمّي "بجرائم الصحافة" هو ردع وشكل من أشكال التعسف في حريّة التّعبير وهي قيد لها.      
ويبدو جليّا أنّ هناك نصوصا قانونية عديدة تعاقب بعض التجاوزات المؤسفة عند ممارسة الحق في التعبير، مثل جرائم هتك شرف الإنسان وعرضه مثل القذف والشتم المنصوص عليها بالمجلة الجزائية.
ومعلوم أنّ المرسوم عدد 115 تضمّن أحكاما جزائيّة تتعلّق بالجرائم ضد الأشخاص المرتكبة بواسطة "وسيلة من وسائل الإعلام السمعي والبصري أو الإلكتروني".
ومن بين تلك الجرائم، الثلب الذي ينال من شرف أو إعتبار شخص (الفصل 56) وكذلك الشتم المتمثل في " كل عبارة تنال من الكرامة أو لفظة احتقار أو سب (الفصل 57).
إلاّ أنه رغم هذه النصوص الزجرية الواضحة، مازلنا نلاحظ العديد من مظاهر الزيغ والانزلاقات في جانب من الحوارات الإذاعية والملفات التلفزية وحتى في التصريحات أو الكتابات ببعض الصحف التي تتجاوز الضوابط القانونية المذكورة، وتتضمّن النيل من كرامة واعتبار الأشخاص.
وهناك جانب آخر لعله أكثر وقعا وخطورة، ويتمثل في أن أشخاصا يعمدون إلى خرق القانون والكشف عن اسرار مهنية. في حين أن القانون يحجّر إفشاءها اذ أن من أوكد المؤتمنين عليها عدم الكشف عنها. ومما يزيد الأمر إِسْتِفْحالاً أنّ جانبا من تلك الأسرار قد يمسّ من حقوق الآخرين، وحتى النظام العام في مفهومه الواسع.
ويذكر أنّ الفصل 109 من المجلة الجزائية يسلط عقابا بالسجن مدة عام على الموظف العمومي أو شبهه الذي ينشر كتبًا أُؤتمن عليه أو حصل له العلم به بسبب وظيفته أو يطلع عليه غيره.
وهناك بالخصوص أسرار تهمّ قضايا عدلية جارية وخاصة الجزائية منها، والحال أن القانون يمنع ذلك. فالفصل 61 من المرسوم 115 "يحجّر نشر وثائق التحقيق قبل تلاوتها في جلسة علنية". كما أن الفصل 60 من المرسوم ذاته يسلط أيضا عقابا بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام مع خطية مالية على "كلّ من يتولى نقل معلومات عن جرائم الاغتصاب أو التحرش الجنسي ضد القصر بأي وسيلة كانت، متعمّدا ذكر اسم الضحية أو تسريب أية معلومات قد تسمح بالتعرف عليها ".
ومن ناحية أخرى، فإن الفصل 31 من قانون 7 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال ينصّ على معاقبة "كلّ من يتعمّد داخل الجمهورية وخارجها علنا وبصفة صريحة الإشادة أو التمجيد بأيّ وسيلة كانت بجريمة إرهابية او بمرتكبها ... "
وفي صورة ارتكاب مثل هذه الفعلة التي وصفها المشرّع بكونها (جريمة إرهابية) فإنه يقع تطبيق هذا القانون دون غيره لأنه قانون خاص، وهو أولى في التطبيق من القانون العام طبق ما درج عليه فقه القضاء. كما أنّ الفصل 54 من المجلة الجزائيّة ينص على أنه "إذا تكون من الفعل الواحد عدة جرائم، فالعقاب المقرّر للجريمة التي تستوجب أكبر عقاب هو الذي يقع الحكم به وحده".
ونلاحظ أيضا أنّ بعض الموظفين والمسؤولين لا يحترمون واجب التحفظ المحمول على كاهلهم. بحُكْم طبيعة وظائفهم، فلا يتردّدون في الدخول في مناقشات خلال البرامج الحوارية في الإذاعة أو الملفات التلفزية أو التصريحات الصحفية المكتوبة، ويبدون رأيهم في مواضيع لها علاقة بوظائفهم، والحال أنهم ملزمون بواجب التحفظ الذي يقتضي منهم عدم إبداء الرأي علنا في تلك المواضيع والتي تقتضي القوانين وأخلاقيات وظائفهم عدم الكشف عنها إلا في نطاق إنجاز المهام المنوطة بعهدتهم. 
وثمّة ظاهرة أخرى لا يمكن التغاضي عنها وتتمثل في أنّ بعض "المجموعات المهنية" تعمد أحيانا إلى تسليط ضغوط على السلط العمومية، وخاصة السلطة القضائية للدفاع عن بعض الأشخاص المنتمين لِأسْلاك معيّنة في صورة احالتهم على القضاء، ويعمد بعضهم إلى محاولة التأثير على مجرى القضايا بدعوى حريّة التعبير، والحال أنه لا بدّ من إحترام السلطة القضائيّة وإستقلاليتها وعدم التّدخل في شؤونها وأنّ المشرّع أقرّ وسائل للطعن في الأحكام القضائية في نطاق القانون.
وفي هذا السياق، نلاحظ أن الفصل 434 من المجلة الجزائية الفرنسية مثلا يحجّر منع نشر تعاليق على قرارات قضائية قبل صدور حكم قضائي نهائي بنيّة تسليط ضغط للتأثير على الشهود أو قرارات قاضي التحقيق أو المحكمة.

نعم للرقابة القانونيّة على حريّة التعبير، ولا للرقابة السياسيّة
يقول الكاتب الفرنسي Gustave FLAUBERT "إنّ الرقابة مهما كانت أسوأ من القتل وإن الإعتداء على الفكر هو جريمة".
ولا مجال إطلاقا للتضييق من حريّة التعبير إلاّ في حدود ما أقرّه القانون لتفادي أي إفراط في السلطة أو النيل من هذه الحريّة لأسباب واهية وغير جديّة وخاصّة سياسيّة.
ومن هذا المنظور فإن حريّة التعبير لها مكانة خاصة في مشهد الحريات، فهي حق موضوعي ومبدأ عام يتوقف عليه وجود الديمقراطية ومجموع الحقوق الأساسية مثلما قال الأستاذ Xavier BIOY ، كما أنه لا يجوز للدولة الضغط على الصحافة في كل الحالات بإسم النظام العام، فمن حق كل مواطن وكذلك من حق الصحافة انتقاد عمل المؤسسات العمومية، ومن حقها أيضا التنديد بالتجاوزات التي تحصل والكشف عنها، لكن كل ذلك مع احترام الضوابط القانونية، شريطة التأكد من صحة المعلومات، اذ لا بدّ أيضا من احترام قرينة البراءة.

التسامح وحرية التعبير
ينبغي أن يكون التّسامح، وهو من القيم التي نص عليها الفصل 6 من الدستور، جوهر حرية التعبير، وذلك باحترام رأي الآخرين وتمكينهم من التعبير عنه.
ووفق هذه الرؤية، نادى الزعيم الهندي غاندي بما أسماه "التسامح المتبادل" قائلا "إننا لا نفكر جميعا بنفس الطريقة وإننا لا نرى إلا جانبا من الحقيقة ومن زوايا مختلفة ".
إنّ من آداب الحوار الاستماع للآخر وعدم الإساءة إليه إذا كانت آراؤه مخالفة لآرائنا، وإن حريّة التّعبير لا تعني التّهجم على الآخرين الذين يخالفون الرأي. ولعلّ أفضل ما نتوّج به هذا العرض إستحضار المقولة المعروفة التي أطلقها المفكر الفرنسي Voltaire وهو أحد روّاد عصر الأنوار "إني مستعدّ إلى حدّ الموت لمقاومة أفكارك ولكنّي أعمل حتّى الموت لتمكينك من التّعبير عنها".  


lundi 6 avril 2015

الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة: عبقرية زعيم فـذ ّ



في الذكرى الخامسة عشرة لوفاة المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة، تراودنا جملة من الأفكار وتسكننا شحنة من المشاعر حول شخصية هذا الرجل العظيم الذي كرّس حياته لخدمة تونس، فكافح السنوات العديدة من أجل تحريرها من الهيمنة الاستعمارية، وقضى الفترات الطويلة في غياهب السجون داخل البلاد وخارجها، وعانى من وحشة الغربة وقساوة المنفى، وذاق شتى ضروب العسف والحرمان.
وبعد إحراز تونس على استقلالها وتولّيه السلطة، عمل بدون هوادة بحنكة سياسية لافتة على إرساء لبنات الدولة الفتيّة ودعم مقوماتها على أسس ثابتة، فركّز مؤسساتها الأمنيّة والعسكريّة والإداريّة والقضائيّة كان له الفضل في وضع دستور جديد، مستمد من دساتير بعض الدول العريقة في الديمقراطية وتضمن المبادئ التي ترتكز عليها، مثل الفصل بين السلطات وحقوق الإنسان واستقلال القضاء، كما أطلق بورقيبة ثورة تشريعية عارمة في مختلف الميادين، وخاصة مجلة الأحوال الشخصيّة ( وهي قانون رائد في العالم العربي والإسلامي ) إذ حررّت المرأة من القيود التي كانت تكبّلها ومنحتها حقوقا في ذلك الوقت لم تتمتع بها النساء حتى في بعض الدول الغربية المتقدمة، ولا شك أنّ هذه المجلة لم تكن لتصدر لولا شجاعة الحبيب بورقيبة وتشبّعه بقيم الحداثة وإيمانه بالتطور. وأٌصدرت في عهده عدة مجلات قانونية بها أصبحت لتونس منظومة قانونية متكاملة.
ويتذكر جيل الستينيات والسبعينيات الخطب التي كان يلقيها الرئيس الراحل على أمواج الإذاعة أو في الاجتماعات العامة، والتي كانت بمثابة الدروس في شتّى مجالات الحياة، فكان يتحدث عن معركة التخلف ويثير مواضيع هي من صميم ظواهر المجتمع التونسي آنذاك، والهندام والسلوك الحضاري والنظافة وغير ذلك من المواضيع التي تهمّ حياة المواطن اليومية. والجميع يتذكر "توجيهات الرئيس" التي كانت تبث يوميا في الإذاعة الوطنية وعلى شاشة التلفزة التونسية وكانت تشد انتباه التونسيين والتونسيات.
وعلى الصعيد الخارجي، كان لبورقيبة دور رائد في إشعاع تونس والتعريف بها في الخارج، حتى اقترن اسمه بها وغدت بلادنا تحظى باحترام خاص تجلّى في سائر المحافل الدولية. ولا نزال نذكر الحفاوة والتبجيل الكبيرين اللذين خصّ بهما الرئيس الأمريكي جون كينيدي بورقيبة بمناسبة زيارته التاريخية إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 .
وقد اتسمت السياسة الخارجية التي انتهجها باني تونس الحديثة بالحكمة والاعتدال والواقعية والصراحة والشجاعة وجعل مصلحة تونس فوق كل اعتبار.
وكان الرجل يتمتع بحدس سياسي قوي وبعد نظر، ينطبق عليه قول الشاعر أبي الطيب المتنبي، (والذي كان الرئيس معجبا به) حين قال:
     " ذكي تظنيه طليعة عينه يرى                             قلبه في يومه ما ترى غدا "  
ولا ننسى الخطاب التاريخي الذي ألقاه بورقيبة في اريحا يوم 03 مارس 1965 متوجها به إلى اللاجئين الفلسطينيين. ومما قاله آنذاك: " وجب أن ننتهج إلى جانب الكفاح المسلح طرقا أخرى تعتمد الحكمة والدهاء بما في ذلك من كرّ وفر وترهيب وترغيب ... إن سياسة المطالبة بالكل أو لا شيء التي قادتنا إلى المأزق الذي نحن فيه وجلبت لنا الهزائم التي مازلنا نجرّ ذيولها حتى اليوم ".
نستحضر أيضا الخطاب الذي ألقاه الرئيس بورقيبة بقاعة البلمريوم يوم 16/12/1972 بحضور معمر القذافي وكان درسا بليغا في التحليل السياسي العميق والواقعية والتاريخ.
لقد حبا الله الزعيم الراحل بخصال حميدة ومؤهلات ذاتية متميزة فقد كان يتمتع بذكاء نادر وقوة الشخصية، وكان ذا ثقافة واسعة ومتنوعة فهو مغرم بالأدب والموسيقى والمسرح واستوعب الثقافتين العربية والفرنسية، كما قال المفكر الأستاذ الأديب الشاذلي القليبي في كتابه القيّم وبأسلوب جذاب " أضواء من الذاكرة : الحبيب بورقيبة ".
وكان الزعيم ملمّا بالتاريخ، يطوّع ثقافته التاريخية في خطبه، وكثيرا ما يستشهد ببعض الأحداث التاريخية وبالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية الشريفة، ومن بين الآيات التي كان كثيرا ما يردّدها " إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (صدق الله العظيم).
وكان الحبيب بورقيبة فصيحا وبليغا يشدّ الانتباه عندما يخطب. ويستعمل حركات مدروسة أثناء الكلام، يعرف متى يبتسم أو يديم النظر مع الصمت، وكان يبكي أحيانا أو تترقرق عيناه بالدموع وسرعان ما يسترجع أنفاسه وكأنّ شيئا لم يكن. ولا غرو في ذلك فالرجل كان يتقن فن المسرح ومولعا به منذ صباه.
 وكانت خطب الرئيس إمتاعا ومؤانسة تحمل فوائد جمّة، ونتذكر المحاضرات التي ألقاها على منبر طلبة معهد الصحافة وعلوم الأخبار في أوائل السبعينيات والتي تابعها التونسيون بشغف وانتظام.
ومن أهم ما كان يتميّز به بورقيبة "الكاريزما" أو الوهرة أو الهيبة التي حباه الله بها، فلا تكاد تستطيع تحديق النظر فيه. وقد لمست ذلك شخصيا عندما حظيت بمقابلته في مكتبه بقصر قرطاج في مطلع السبعينيات وقد مثّل ذلك حدثا هاما في حياتي لن ينمحي من ذاكرتي.
وكان رحمه الله إلى جانب ذلك على غاية من اللطف والتواضع وحسن القبول.
ومن بين الشمائل الأخرى للرئيس بورقيبة أنه لم يكن يولي المال أيّ اهتمام على حد تعبير الأستاذ الشاذلي القليبي، حيث أشار إلى أن بورقيبة ذكر في خطاب له أنه " لا يملك سوى بدلتين اثنتين " ولاحظ أنه لم يكن ذلك بعيدا عن الحقيقة.
ويستوقفنا في هذا الإطار ما ذكره الرئيس الأستاذ الباجي قائد السبسي، وهو من أبرز خريجي المدرسة البورقيبية، في كتابه " الحبيب بورقيبة المهم والأهم " والذي يعدّ من أهم المراجع حول شخصية وكفاح الزعيم. فقد أشار إلى أنه لما دخل الغرفة التي كان يقيم بها الرئيس بنزل "Lutetia" بباريس أيام الكفاح وقعت عيناه " على ملابسه الداخلية التي كانت ملقاة على كرسي وكانت بها عدة خروق ورقّعت بخيط احمر، فجأة أدركت أعماق هذا الرجل: إنه رجل لا يجري وراء المال ".  (الصفحة 21 من المرجع المذكور).
وفعلا لم يكن الحكم عند بورقيبة وسيلة لكسب المال، كما هو عليه  الآن لدى بعض الساسة الذين أثروا ثراء فاحشا، مستغلين مناصبهم السياسية لجمع المال بطريقة غير مشروعة، في حين أن بورقيبة لم يملك شيئا في حياته، وهي وضعية يكاد ينفرد بها في العالم قياسا برؤساء دول الآخرين.
لقد سمعنا بعض الأصوات التي امتلأت حيازيم أصحابها غمرا وغيضا وحسدا تنتقد اليوم الرئيس بورقيبة وسياسته لما كان ماسكا لزمام الحكم، ووصل الأمر ببعضهم إلى ذمّه وشتمه الى درجة التشكيك في وطنيته. وإنّ مثل هذا الذم والتشكيك مردود على أصحابه. إذ أن وطنية الرجل وحبه لتونس ولشعبها أمر ثابت وأن فضل بورقيبة على هذا الوطن العزيز لا يمكن لعاقل صادق أن يجحده، وأن عهده كان مرحلة مضيئة في تاريخ تونس الحديث. ولا يمكن بأية حال، نكران الانجازات التي تحققت أثناء فترة توليّه السلطة في جميع الميادين، الاقتصادية والثقافية والتربوية والاجتماعية والصحية، فقد أرسى ركائز الدولة الحديثة وتكوّنت بفضل نظام التعليم في عهده أجيال تتمتع بكفاءة عالية كانت من خيرة إطاراتها.
وإذا وقع التثريب على بورقيبة ارتكابه بعض الأخطاء، فذاك أمر طبيعي وهو بشر غير معصوم من الخطأ. كما أنه اجتهد وقد يخطئ المرء في الاجتهاد أحيانا. غير أنّ الأخطاء، إن وجدت، لا تنسينا ما بذله به الرجل من جهود كبرى في سبيل تحرير تونس ودعم استقلالها ونموها وتقدمها وغرس مقومات الحداثة. كما انه لا يمكن أيضا تقييم سياسة بورقيبة اعتمادا على المعايير والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة اليوم. إذ أنّ المنطق والموضوعية يفرضان أن يكون التقييم على أساس الظروف التي رافقت مرحلة تسلمه مقاليد الحكم في الخمسينيات، وكانت وضعية البلاد تستلزم آنذاك إتباع نمط معيّن في الحكم والسياسة يتأقلم مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والمناخ السياسي داخل البلاد وخارجها في ذلك الوقت.
ومن البديهي أن الرجل لم يبلغ الكمال. والذي لا يدركه أحد فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى، غير أنّ كفاحه ووطنيته وإنجازاته تغفر له بعض الأخطاء إن وجدت.
رحم الله الزعيم الفذ الحبيب بورقيبة وطيّب ثراه.      
http://www.alchourouk.com/102413/151/1/-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D8%A8_%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A9_%D8%B9%D8%A8%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%B2%D8%B9%D9%8A%D9%85_%D9%81%D9%80%D8%B0%D9%91_-.html


  

vendredi 7 novembre 2014

" التغوّل " السياسي حقيقة أم مناورة سياسية؟


*بقلم الأستاذ عبد الله الأحمدي

 

 

ارتفعت في المدة الأخيرة أصوات بعض الأطرافالسياسية معبّرة عن خشيتها مما أسمته بـ"تغوّل" الأغلبية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة ومن سينجح في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى يوم 23 نوفمبر الجاري؟

نلاحظ في البداية أنه من الناحية اللغوية أن كلمة التغول مشتقة من الغُول الذي له معان عديدة إذ يقول ابن منظور في معجمه المعروف "لسان العرب" إن الغُول هو أحد الغيلان وهي جنس من الشياطين والجن، ويضيف أنالغُول يعني شيطانا يأكل الناس وكل من اغتال الإنسان،وتنطوي كلمة الغُول أيضا على الخبث والتسلط، إذ أنالغُول يعني أيضا الداهية. وجاء في لسان العرب أيضاأن رسول الله قال "لا عدوى ولا هامة ولا صَفرَ ولا غُول ".

أما التغوّل فهو يعني لغة التلوّن تلونا في صور شتى.

على انه من الناحية السياسية فإن المقصود من التغول هو الهيمنة والاستئثار بالحكم والانفراد به.

ويجب أن نضع استعمال مصطلح التغول هذه الأيام في إطاره السياسي، ذلك أنه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة عبرت بعض الأطرافالسياسية عن تخوفها من " تغّول " من فاز فيها بحصولهم على أغلبية هامة في مجلس نواب الشعب، ويطرح هذا التخويف من "التغول" جملة من تساؤلات،أولها لماذا ظهر الشعور بالخوف في هذا الوقت بالذات،أي قبيل الانتخابات الرئاسية بأيام قليلة؟ ولماذا لم يقع التخويف سابقا من الأغلبية التي كانت ماسكة بزمام الحكم بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011؟ كما أنه ظهرت أيضا الدعوة إلى مرشح "توافقي" لمنصب رئيس الجمهورية لتفادي "التغوّل" المحتمل ؟ وهي دعوة ترمي إلى تحقيق أغراض معينة لا تخفى على أحد.

 

لا مبرّر للخوف من "التغوّل"

 

إن الخوف الذي أبدته بعض الأطراف من تغوّل الأغلبيةليس له أيّ مبرر لعدّة أسباب منها انه لم يحصل أيّ حزب على أغلبيّة مطلقة في انتخابات مجلس نواب الشّعب، ومن ناحية أخرى فإن الدستور تضمّن العديد من الآليّات "والفرامل" التي من شأنها أن تكبح جماح بعض الأجهزةالسياسية في الدولة وتحول دون هيمنة أية سلطة على الأخرى.

لقد أقرّ الدستور في التوطئة مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها مجسما بذلك أهمّ ركائز النظام السياسي الديمقراطي التي نادى بها كبار المفكرين مثل JOHN LOCKE و JEAN BODIN  وخاصة MONTESQUIEUالذي قال في كتابه المعروف "روح القوانين" : " كل إنسانبيده السلطة يميل إلى التعسف فيها إلى أن تعترضه حدود ولكي لا يقع التعسف في السلطة يتعين بحكم طبيعة الأشياء أن توقف السلطة السلطة ".

ولا شكّ أن فصل السلطات يحول دون هيمنة إحداها على الأخرى، مما لا يبقى معه مجال للحديث عن "تغوّل" السلطة التنفيذية أو التشريعية.

 

رئيس الجمهورية المنتخب لا يستطيع أن يكون "متغوّلا" 

 

لقد ضبط الدستور الجديد بكل دقة صلاحيات رئيس الجمهورية وهو يؤدي القسم قبل مباشرته لمهامه ويلتزم باحترام دستور البلاد وتشريعها طبق ما جاء بالفصل 76 من الدستور.

وليس للرئيس صلاحيات مطلقة بل إنها محصورة ومحدودة وتم ضبطها بالفصول من 77 إلى 82 من الدستور ولا يمكنه ممارسة غيرها، ومن مظاهر حدود تلك الصلاحيات أنه لا يمكنه حل مجلس نواب الشعب إلا في حالات معيّنة وبشروط مضبوطة خلافا لصلاحيات رئيس الجمهورية في فرنسا الذي خوّل له الدستور حلّ الجمعية الوطنية (البرلمان) في أي وقت وبدون أيّ شرط وذلك بالفصل 12 من الدستور الفرنسي بعد استشارة الوزير الأول ورئيسي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، وقد تمت ممارسة هذه الصلاحيات الهامة في فرنسا أربع مرات عام 1962 و 1968 و 1981 و 1988.

على أن صلاحيات رئيس الجمهورية في دستورنا اقل من صلاحيات رؤساء الجمهوريات في بلدان أخرى ومنها فرنسا رغم أنه يستمد شرعيته مباشرة من الشعب، إذ انه منتخب انتخابا حرا مباشرا طبق الفصل 75 من الدستور، وكان من المفروض أن تكون له أكثر صلاحيات.

ومن ناحية أخرى فانه رغم أن الشعب هو الذي ينتخب رئيس الدولة ولمدة خمس سنوات فانه يمكن إعفاؤه قبل انقضاء تلك المدة طبق الفصل 88 من الدستور الذي خول لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب ولا يتم الإعفاء إلابموافقة ثلثي أعضاء المجلس ثم تتم الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية ثلثي أعضائها ولها أنتقضي بعزله. 

وبناء على ما تقدم فانه فلا شيء يدعو إلى التخويف من "تغوّل" الرئيس خلافا لما يزعمه البعض.

 

نفوذ مجلس نواب الشعب ليس مطلقا

 

لئن كان مجلس نواب الشعب يمثل الشعب بحكم قواعد الديمقراطية النيابية فان نفوذه رغم ذلك ليس مطلقا.حيث لا يمكنه أن يصادق على أي مشروع قانون مخالف للدستور لان النواب ملزمون باحترام أحكامه إذ أنهميؤدون القسم طبق الفصل 52 من الدستور، ذلك أنالمحكمة الدستورية التي تم إحداثها بمقتضى الفصل 118 من الدستور تتولى مراقبة دستورية مشاريع القوانين مما يحول دون مصادقة المجلس على مشاريع قوانين مخالفة للدستور، كما يمكن للمحكمة الدستورية النظر في الدفع بعدم دستورية القوانين عندما يتمسك احد المتقاضين بذلك أمام المحاكم. ويتبين مما تقدم انه رغم شرعية مجلس نواب الشعب والتي لا يمكن لأحد أن ينازع فيها فان عمل هذا المجلس مقيّد بالدستور مما يحول أيضا دون "التغول".

 

الرقابة على عمل الحكومة

 

من المعلوم أن الحكومة تنبثق من مجلس نواب الشعب فهو الذي يمنحها الثقة وله أيضا سحبها منها بمقتضى لائحة لوم بموافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس طبق الفصل 97 من الدستور. و يجوز أيضا للمجلس سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة وهي مسؤولة أمامه وفي نطاق مراقبة عمل الحكومة يمكن لأيّ نائب أن يتقدم إلىالحكومة بأسئلة كتابية أو شفاهية طبق الفصل 96 من الدستور، وبذلك فإن الحكومة تخضع لرقابة مجلس نواب الشعب مما يحول أيضا دون تجاوز صلاحيتها أو"تغوّلها"، ولا شك أن رئيس الحكومة يتمتع بصلاحيات كبيرة لعلها أهم من صلاحيات رئيس الجمهورية في بعض المهام فهو يحدث ويعدّل ويحذف الوزارات ويقيل أعضاء الحكومة ويضبط السياسة العامة للبلاد الأمرالذي يخشى معه حدوث نزاعات بينه وبين رئيس الجمهورية، وفي هذه الصورة تبت المحكمة الدستورية فيها طبق الفصل 101 من الدستور.

 

الحديث عن "تغوّل" الأغلبية نكران للديمقراطية

 

أجمع جهابذة أساتذة العلوم السياسية والقانون الدستوري أن في الأنظمة الديمقراطية تتولى الأغلبيةالتي أفرزتها الانتخابات التشريعية تكوين الحكومة، وقد كرّس الفصل 89 هذا المبدأ، إذ ينص على أنّ رئيس الجمهورية يكلف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي على اكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب لتولي تكوين الحكومة، مما يجعل ممارسة الأغلبية للحكم تكريسا ومظهرا من مظاهر الديمقراطية وان التثريب على الأغلبية ممارسة حقها في تسيير شؤون البلاد يتجافى مع مبادئ الديمقراطية.

ولا شك أن في العديد من الدول العريقة في الديمقراطية تجرى انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية فتحصل أغلبيةبرلمانية والمتمثلة في مجموع النواب وأغلبية رئاسية تكمن في القوى السياسية التي تنتخب رئيس الجمهورية، وفي جل الحالات يحصل أن تكون الأغلبية البرلمانية هي نفسها الأغلبية الرئاسية، وفي هذه الصورة يتمتع رئيس الجمهورية بتأييد الأغلبية البرلمانية عندما تنبثق عن الحزب الذي ينتمي إليه وهذا ما وقع في العديد من الدول التي تنتسب إلى الديمقراطيات الكبرى مثل ألمانياواسبانيا وغيرها من الدول التي تبنت الأنظمة البرلمانية أين تكون للسلطة التنفيذية أغلبية مطلقة في البرلمان،وهذه الوضعية إن حدثت في تونس فإنها لن تكون بدعة بل هي ظاهرة موجودة منذ القدم. ونذكر على سبيل المثال أن في فرنسا عادة ما يكون رئيس الجمهورية ينتمي إلىالحزب الذي له الأغلبية المطلقة في البرلمان مثلما هو الشأن الآن باستثناء بعض الحالات الخاصة عندما يفقد رئيس الجمهورية الأغلبية البرلمانية فينقلب دوره إلى مجرد حكم وأطلق على هذه الوضعية "التعايش" (cohabitation) وقد حدث ذلك في فرنسا عام 1986 و 1993 .

وتأسيسا على ما تقدم، فانه حتى إذا كان رئيس الجمهورية يحظى بتأييد الأغلبية البرلمانية إذا كانت تنتمي إلى حزبه فإن ذلك لا يتعارض مع الديمقراطية بل ربما يسهل عمل الحكومة، ولا يمكن الحديث في هذه الصورة عن "التغول" مادام الشعب هو الذي انتخب نوابه بالمجلس وكذلك رئيس الجمهورية وهو صاحب السيادة،مما يجعل الحديث عن "التغوّل" في غير طريقه، إذ كل ما هو شرعي لا يشكل "تغوّلا".

على أن ممارسة الأغلبية للحكم لا يعني اضطهاد الأقلية أو المعارضة التي لها أن تمارس حقوقها السياسية. وقد نص الفصل 60 من الدستور على أن المعارضة مكوّن أساسي في مجلس نواب الشعب لها حقوقها التي تمكّنها من النهوض بمهامها في العمل النيابي.

ويمكن القول في الختام إن التخوّف الذي أبدته بعض الأصوات من "التغوّل" هو تخوّف مفتعل باعتبار أنأحكام الدستور تحول دون حصول هيمنة أية سلطة على الأخرى ولعلّ التعبير على هذا الشعور في هذا الوقت بالذات من قبيل المناورة السياسية أكثر منه تخوف حقيقي أو مبرّر.

 

* دكتور دولة ومبرز في الحقوق