mardi 26 novembre 2013

النيابة العمومية بين تعليمات السلطة التنفيذية واستقلالية القضاء

النيابة العمومية بين تعليمات السلطة التنفيذية واستقلالية القضاء
 بقلم الأستاذ عبد الله الأحمدي*


شهدت البلاد بعد الثورة عدة محاكمات شملت أصنافا مختلفة من الأشخاص من اجل جرائم متنوعة ذات خلفيات سياسية أحيانا ومنها ما يتعلق بالحق العام وبحرية الصحافة والتعبير وأدت إلى إيقاف العديد من المتهمين بموجب قرارات صادرة من النيابة العمومية أو بطاقات إيداع صادرة عن قضاة التحقيق أو دوائر الاتهام وأثارت هذه التتبعات والإيقافات جدالا كبيرا حول جملة من المسائل ذات الصلة بالمؤسسة القضائية تمحورت حول استقلال القضاء ومن بين المواضيع المطروحة على النقاش اليوم استقلالية النيابة العمومية ومعلوم أن القضاء العدلي هو الحامي الطبيعي للحريات الفردية وهي من أهم حقوق الإنسان الأساسية ولا يمكن للقضاء أن يحقق تلك الحماية على الوجه الأكمل إلا إذا كان مستقلا عن السلطة التنفيذية ومتحليا بالحياد والتجرد وان يكون في مأمن من أي ضغط ، ومعلوم أن القضاء العدلي ينقسم إلى قضاء جالس الذي يصدر الأحكام وقضاء واقف أي النيابة العمومية وسميت كذلك لأنه عندما يرافع احد أعضاء النيابة بالجلسة يكون واقفا ويمثلها لدى كل محكمة ابتدائية وكيل الجمهورية ولدى محكمة الاستئناف الوكيل العام ولدى محكمة التعقيب وكيل الدولة العام.

- صلاحيّات النيابة العمومية -

  تتمتع النيابة العمومية بصلاحيات كبيرة نصت عليها مجلة الإجراءات الجزائية في مقدمتها إثارة الدعوى العمومية وممارستها والمطالبة بتطبيق القانون وتولي تنفيذ الأحكام كما أن وكيل الجمهورية يقوم بمعاينة سائر الجرائم وقبول الشكايات وخاصة يجتهد في تقرير مآلها وله أن يأذن بإجراء تتبعات وأبحاث وله أيضا أن يحفظ الشكايات وهذا يعدّ من أهم صلاحياته وذلك عملا بمبدأ ملاءمة التتبع الخاضعة لاجتهاده المطلق وفي هذا السياق يقول المحامي الفرنسي المعروف G. KIEJMAN "إن النيابة العمومية نظرا لما لها من صلاحيات في حفظ الشكايات تعدّ أهم قاض في فرنسا" ولوكيل الجمهورية في حالة التلبس بجنايات أو جنح جميع ما لقاضي التحقيق من السلط ويمكنه اتخاذ قرار في إيقاف المظنون فيهم كما أن مأموري الضابطة العدلية يعملون تحت إشراف وكيل الجمهورية والمدعين العموميين ووكيل الجمهورية هو الذي يقرر التمديد في آجال الاحتفاظ والنيابة العمومية هي طرف أساسي في جميع القضايا الجزائية ويحضر ممثلها في جميع الجلسات ويطالب أثناءها بالمحاكمة طبق فصول الإحالة وعادة يطالب بتشديد العقوبات المستوجبة على مرتكبي الجرائم وهو يدافع مبدئيا عن المصلحة العامة وعن الهيئة الاجتماعية.
وللنيابة العمومية أيضا استئناف وتعقيب الأحكام الجزائية وكذلك استئناف قرارات قاضي التحقيق القاضية بالإفراج عن المتهم وفي هذه الصورة لا ينفذ قرار الإفراج إلى أن تبت دائرة الاتهام في الطعن.


- تجليات خضوع النيابة العمومية للسلطة التنفيذية -

إن هذه الصلاحيات الكبيرة التي تتمتع بها النيابة العمومية أثارت جدالا كبيرا لدى فقهاء القانون في مختلف أنحاء العالم وطرحت بالخصوص مسالة علاقتها بالسلطة التنفيذية ومدى استقلاليتها عنها خاصة وان وضعية النيابة العمومية في المنظومة القضائية الجزائية خاصة تختلف عن وضعية القضاء الجالس وتكريسا لخضوع النيابة العمومية للسلطة التنفيذية نص الفصل 15 من القانون المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة على أن "قضاة النيابة العمومية خاضعون لإدارة ومراقبة رؤسائهم المباشرين ولسلطة وزير العدل"، كما أن الفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية خول لوزير العدل إبلاغ الوكلاء العامين لدى محكمة الاستئناف الجرائم التي يحصل له العلم بها وان يأذنهم بإجراء التتبعات سواء بنفسهم أو بواسطة من يكلفهم وبان يقدم إلى المحكمة المختصة الملحوظات الكتابية التي يرى وزير العدل من المناسب تقديمها  واقر الفصل الأول من القانون عدد 80 لسنة 1987 المؤرخ في 29/12/1987 نفس الأحكام كما أن الفصل 21 من مجلة الإجراءات الجزائية نصّ على أن "النيابة العمومية تقدم طلبات كتابية طبقا للتعليمات التي تعطى لها".
غير أن الفصل 15 من القانون المتعلق بنظام القضاء نصّ على أنه "أثناء الجلسة لأعضاء النيابة العمومية حرية الكلام" وذلك عملا بالمبدأ القانوني القائل بان "القلم أسير والكلمة حرة" ومعنى ذلك انه يمكن للنيابة العمومية أثناء الجلسة أن تبدي بكل حرية ما لها من ملحوظات شفاهية غير أنها مقيدة بالطلبات الكتابية التي لديها وقد تكون هناك طلبات صادرة عن عضو آخر من أعضاء النيابة باعتبارها لا تتجزأ وهذا أيضا من خصائص هذا الجهاز القضائي.
إن كل هذه النصوص تقر بكل وضوح عدم استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية إذ أنها خاضعة لتعليمات وزير العدل وهو يمثل السلطة التنفيذية باعتباره عضوا في الحكومة وهذه الوضعية موجودة أيضا في عدّة أنظمة قضائيّة أجنبيّة نذكر منها القانون الفرنسي الذي تخضع فيه النيابة العمومية لسلطة وزير العدل كما أن النظام الأساسي لأعضاء النيابة العمومية يختلف جزئيا عن نظام القضاة الجالسين إذ يمكن للحكومة في فرنسا تسمية ونقلة الوكلاء العامين ووكلاء الجمهورية بكل حرية بعد اخذ رأي المجلس الأعلى للقضاء دون التقيد به، وفي المغرب فان وزير العدل هو الذي يشرف على تنفيذ السياسة الجزائية ويبلغها إلى الوكلاء العامين للملك الذين يسهرون على تطبيقها وله أن يأمرهم كتابة بمتابعة مرتكبي الجرائم طبق الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية المغربيّة، وفي مصر تنصّ المادة 125 من القانون رقم 142 لسنة 2006 على أن أعضاء النيابة يتبعون رؤسائهم والنائب العام ولوزير العدل حق الرقابة والإشراف الإداري على النيابة وأعضائها ويبرر بعضهم تبعية النيابة العمومية للسلطة التنفيذية وترؤس وزير العدل لها بكون هذا الأخير هو المسؤول عن سياسة الدعوى العمومية التي تضبها الحكومة ويسهر على تطبيقها، وقد نص الفصل 30 من مجلة الإجراءات الجزائية الفرنسية على ذلك غير أن في التشريع الفرنسي لا يمكن لوزير العدل أن يأذن بعدم التتبع في حين انه يمكنه الإذن بالتتبع وكانت تكونت لجنة في فرنسا للتفكير في القضاء الجزائي سنة 2009 سميت لجنة Leger اعتبرت انه لا يمكن إقصاء السلطة التنفيذية التي تستمد شرعيتها من العملية الديمقراطية من ضبط السياسة الجزائية والعمل بها بكامل تراب الجمهورية وانه لا يمكن قطع الصلة بين النيابة العمومية والسلطة التنفيذية غير أن رأي هذه اللجنة كان محل انتقاد العديد من فقهاء القانون والهيآت المهتمة بالشأن القضائي.


- نتائج عدم استقلاليّة النيابة العموميّة عن السلطة التنفيذية -

ارتفعت الأصوات في العديد من البلدان التي تخضع فيها النيابة العمومية للسلطة التنفيذية منادية باستقلالها عنها حتى تؤدي دورها في حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، فقد انتقدت نقابة القضاة في فرنسا بتاريخ 16/03/2006 خضوع النيابة العمومية للسلطة التنفيذية ودعت الندوة الوطنية لوكلاء الجمهورية بفرنسا بتاريخ 08/08/2010 إلى محو "صورة نيابة عمومية غير مستقلة عن السلطة التنفيذية" كما أن المجلس الاستشاري للقضاة الأوروبيين اعدّ ميثاق للقضاة بتاريخ 17/11/2010 تضمن أن استقلالية النيابة العمومية هي من متطلبات دولة القانون.
إن عدم استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية جعلت جانبا من فقه القضاء ورجال القانون يذهبون إلى أن النيابة العمومية ليست سلطة قضائية إذ أن خضوعها للسلطة التنفيذية تجردها من إحدى المواصفات الأساسية التي يجب أن يتحلى بها القضاء وهي الاستقلالية وفي هذا السياق اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن النيابة العمومية في فرنسا ليست سلطة قضائية لأنها ليست مستقلة عن السلطة التنفيذية وصدر في هذا المعنى حكم بتاريخ 29/03/2010 وحكم آخر بتاريخ 23/11/2010 في قضية المحامية "مولان" تضمن  أن أعضاء النيابة العمومية بفرنسا لا تتوفر فيهم مقتضيات الاستقلالية إزاء السلطة التنفيذية وأكدت محكمة التعقيب الفرنسية في قرار لها صدر في 15/12/2010 نفس الاتجاه غير انه في اعتقادنا أن هذا الرأي ينطوي على بعض  الشطط لان النيابة العمومية حتى ولو كانت غير مستقلة عن السلطة التنفيذية تبقى مع ذلك سلطة قضائية بدليل أن القوانين الأساسية للقضاة تشملهم كما هو الشأن في التشريع التونسي إذ استعمل المشرع عبارة "قضاة النيابة العمومية" وأكد المجلس الدستوري في فرنسا في قراره الصادر في 05/08/1993 أن وكيل الجمهورية هو قاض تابع للسلطة القضائية فهو يساهم في مراقبة احترام ضمانات الحريات الفردية كما أكّد في قراره المؤرخ في 11/08/1993 أن السلطة القضائية تشمل القضاء الجالس والنيابة العمومية والرأي عندنا أن النيابة العمومية تبقى سلطة قضائية ولكنها غير مستقلة عن السلطة  التنفيذية باستثناء النيابة العمومية لدى محكمة التعقيب الممثلة في شخص وكيل الدولة العام الذي لا يخضع لتعليمات وزير العدل إلا في حالة واحدة نصّ عليها الفصل 258 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي خوّل له الطعن بالتعقيب في الأحكام والقرارات الصادرة في الأصل نهائيا بناءا على الأمر الصادر له من وزير العدل.
إنّ خضوع أعضاء النيابة العمومية للسلطة التنفيذية يجعلهم بمثابة الموظفين حسب بعضهم وفي هذا الإطار يرى رئيس المجلس الدستوري الفر نسي الأسبق Pierre Mazeaud أن القاضي ليس موظفا فهو يصدر الأحكام باسم الشعب في حين أن الموظف مرؤوسا وفي هذا السياق يقول احد قضاة التحقيق الفرنسيين وهو Mathieu Bonduelle أن "النيابة العمومية تبدو كأنها حصان طروادة بالنسبة للسلطة التنفيذية في سير عمل السلطة القضائية وانه يتعين إدخال إصلاحات على مؤسسة النيابة العمومية لضمان استقلاليتها إزاء وزارة العدل لتحقيق الفصل بين السلط".

-       آليات تكريس استقلالية النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية –

هناك عدة طرق لضمان استقلالية النيابة العمومية في مقدمتها إعطاء ضمانات ناجعة لأعضائها وحمايتهم من العزل والنقل والعقوبات التأديبية التعسفية كما انه يجب إقرار أحكام خاصة بتعيينهم وبمسارهم المهني.
وبالرجوع إلى القانون المقارن نلاحظ أن الأنظمة التي تخضع لها النيابة العمومية تختلف من بلد إلى آخر خاصة في مستوى الجهاز المكلف بالنيابة العمومية وفي خصوص تعيين أعضائها وبالأخص المشرف عليها وهناك نظامان كبيران في العالم في الوقت الحاضر
النظام الأول: يتمثل في انتخاب رئيس النيابة العمومية وقد وقع العمل بهذه الطريقة في بلدان أوروبا الشرقية قبل سنة 1989 ويتم الانتخاب من قبل البرلمان أو مجالس محلية ومازال هذا النظام معمولا به حتى الآن بالمجر أين ينتخب النائب العام من قبل البرلمان لمدة ست سنوات كما انه مازال العمل أيضا بنظام الانتخاب في الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء ولايتي فلوريدا وهاواي إذ يقع انتخاب النائب العام في مستوى الولايات ويسمى Districts attorneys  من قبل مجموع السكان ولا يخلو انتخابه من طابع سياسي إذ أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يدعم كل واحد منهما مرشحه إلا انه يشترط في المترشحين الكفاءة القانونية العالية، وعادة ما يكون المترشح من بين المحامين الناجحين في عملهم المهني ويتم الانتخاب لمدة تتراوح بين عامين وأربع سنوات أما النائب العام على المستوى الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية ويسمى United States attorneys  فان الرئيس هو الذي يسميه لمدة أربع سنوات ويتمتع بصلاحيات هامة.
النظام الثاني: يكون فيه النائب العام معينا ولا منتخبا وهذا النظام معمول به بفرنسا وكذلك في السويد بعد إتباع إجراءات خاصة واجتياز امتحان مهني وفي بقية البلدان عادة ما تتم تسمية أعضاء النيابة العمومية من قبل رئيس الدولة وفي اسبانيا يعين رئيس النيابة العمومية من قبل الملك ولكنه ليس ملزما بالامتثال لتعليمات الحكومة وفي البرتغال اقر الدستور صراحة استقلالية النيابة العمومية بالفصل 221 منه ولا يترأس وزير العدل النيابة العمومية بل الوكيل العام للجمهورية وفي ايطاليا فان النيابة العمومية مستقلة عن السلطة التنفيذية ولكنها ملزمة في كل الحالات بالإذن بالتتبع.
وفي ألمانيا وبولونيا واليابان يخضع أعضاء النيابة العمومية لرؤسائهم.  
وفي مصر يسمى النائب العام من قبل رئيس الجمهورية طبق الفصل 119 من القانون عدد 35 لسنة 1984 المتعلق بالسلطة القضائية من بين نواب رؤساء الاستئناف أو مستشاري محكمة النقض أو المحامين العامين الأول على الأقل وللنائب العام أن يطلب عودته إلى العمل بالقضاء كما أن الفصل 67 من نفس القانون نص على أن النيابة العامة عدى معاوني النيابة غير قابلين للعزل ولا ينقل مستشار محكمة النقض إلى محكمة الاستئناف أو النيابة العامة إلا برضائهم ومعلوم أن مصر شهدت حدثا سياسيا وقضائيا هاما متمثلا في أن الرئيس السابق محمد مرسي اصدر قرارا جمهوريا بتاريخ 21/11/2012 قضى بتنحية النائب العام عبد المجيد محمود إلا أن محكمة الاستئناف بالقاهرة ألغت هذا القرار بتاريخ 27/03/2013 وعللت حكمها بقولها "أن قرار العزل فيه مساس مباشر باستقلال السلطة القضائية وحصانتها المقررة بموجب الوثائق الدستورية وبحصانة منصب النائب العام المقرر بموجب قانون السلطة القضائية وانه كان من المتعين أن يتم استفتاء الشعب عليه لا أن تنفرد السلطة التنفيذية والذي هو في الأصل محصن منها بإصداره وتنفيذه بشكل فوري " وهذا القرار يكتسي أهمية كبيرة إذ يؤكد الحصانة التي يتمتع بها النائب العام في مصر وبأنه لا احد يعلو القانون وهو قرار يكرس دولة القانون واستقلال القضاء المصري عن السلطة التنفيذية.
لقد ناقشت أخيرا إحدى اللجان بالمجلس القومي التأسيسي مسالة استقلالية النيابة العمومية ونرجو أن يتم الوفاق حول هذه المسالة الهامة نظرا لدور وصلاحيات النيابة العمومية في المنظومة القضائية الجزائية بتونس ولان هذه الاستقلالية هي ضمان لاحترام الحقوق والحريات الأساسية ولعدم تدخل السلطة السياسية في الشأن القضائي وفي بعض القضايا التي قد تكون لها خلفيات سياسية وحتى قضايا أخرى بالإضافة إلى تكريس الفصل بين السلط وهو قوام النظام الديمقراطي ونقترح أن يقع التنصيص صراحة في الدستور الجديد على مبدأ استقلال السلطة القضائية بما في ذلك النيابة العمومية وان يقع التفكير في آليات لتكريس هذه الاستقلالية بالنسبة لأعضاء النيابة العمومية يقع التنصيص عليها في مجلة الإجراءات الجزائية وكذلك في القانون الأساسي للقضاة مع إمكانية التفكير في إحداث هيأة خاصة بالنيابة العمومية على غرار ما هو موجود في بعض البلدان الأجنبية مع الاستئناس بالقانون المقارن خاصة في تشريعات الدول العريقة في الديمقراطية واحترام الحقوق الأساسية للمواطن وسنّ نصوص تضمن استقلالية القضاء سواء كان الجالس أو الواقف إذ هو الكفيل وحده بضمان تلك الحقوق شريطة أن يكون في مأمن من أي ضغط أو تدخل مهما كان نوعه، فالقضاء  إما أن يكون مستقلا أو لا يكون.
وفي نظرنا هناك خياران يمكن إقرار احدهما:
 الخيار الأول: يتمثل في الإبقاء على النظام الحالي للنيابة العمومية مع تنقيح الأحكام المتعلقة الخاصة بها والواردة بمجلة الإجراءات الجزائية والقانون الأساسي للقضاة وذلك بحذف بعض الفصول المكرسة لتبعية وخضوع النيابة العمومية لتعليمات السلطة التنفيذية ممثلة في شخص وزير العدل.
 الخيار الثاني: يتمثل في إحداث خطة نائب عام يرأس النيابة العمومية يتمتع باستقلالية وبحصانة خاصة على غرار النائب العام بمصر وفي غيرها من البلدان الأوروبية بالخصوص، دون أن يمنع ذلك من خضوعه لإشراف إداري ويمكن التعمق في جزئيات هذا الخيار بالاستئناس بالقانون المقارن ورأي فقهاء القانون والأنظمة القانونية الأجنبية.
وفي اعتقادنا انه لا بدّ من تحديد صلاحيات صاحب هذه الخطة وإقرار بعض الضوابط لان استقلالية النيابة العمومية لا يعني منحها نفوذا مطلقا إذ يخشى أن يؤدي ذلك إلى التعسف وبعض التجاوزات واتخاذ قرارات أو إجراءات اعتباطية قد تمس من الحريات الأساسية وقد حذر العديد من فقهاء القانون ممّا سمّي "شبح حكومة القضاة" وهو مصطلح كان استعمله Edouard Lambert سنة 1921 في معنى محدد مرتبط بدور المحكمة العليا الأمريكية في مراقبة دستورية القوانين ثمّ أصبح مستعملا اليوم في معنى آخر يتمثل في ما يمكن أن يصدر عن بعض القضاة المتمتعين بنفوذ واسع من قرارات تعسفية كما أن من معاني "حكومة القضاة" طبق ما جاء في إحدى معاجم العلوم السياسية الوضعية التي يصبح فيها القضاة قادرين على إحلال خياراتهم الشخصية محل خيارات أصحاب السلطة السياسية بإلغاء قراراتهم أو بتهديدهم بالتتبعات وهذا خطر كبير وفي هذا السياق تقول الأستاذةDanièle Lochak "إن دولة القانون في حاجة إلى قضاة لكن النفوذ الممنوح لهم قد ينجم عنه "شبح حكومة القضاة" مما تصبح معه مقتضيات دولة القانون متعارضة مع متطلبات الديمقراطية"، ولا شك أن كل هذه الاعتبارات تستوجب معالجة هذا الموضوع بكل حذر للحيلولة دون أن تؤدي استقلالية النيابة الكاملة إلى التعسف في نفوذها واتخاذ قرارات اعتباطية وتحكمية والاستقلالية هي أيضا في آخر الأمر مسؤولية أو لا تكون.       

                                                                                     عبد الله الأحمدي
دكتور دولة ومبرز في القانون الخاص والعلوم الجنائية



lundi 11 mars 2013

قراءة نقدية في مسودة الدستور: ملاحظات ومقترحات من أجل دستور لكل الشعب


أخيرا وبعد انتظار طويل شرع المجلس الوطني التأسيسي في مناقشة مسودة الدستور الجديد المرتقب وأبدى العديد من المختصين في القانون الدستوري و رجال السياسة رأيهم فيها سواء على أعمدة الصحف أو خلال الندوات والمنابر التلفزية و الإذاعية وارتأيت الإسهام في هذا الموضوع الهام بإبداء الرأي في بعض أحكام المسودة ويقتضي ذلك النظر في مبناها من حيث صيغة التحرير و المنهجية المتّبعة و أخيرا المحتوى.

1/ صيغة التحرير:
بالتمعن في هذا العنصر، يمكن النعي على المسودة طغيان الأسلوب الإنشائي والأدبي و هذا ما نلاحظه في بعض الفصول منها الفصلان 73 و 104 الذي تضمّن الجملة التالية "و يكفل لغير القادرين ماليا الولوج للقضاء". أحيانا تطالعنا جمل فاقدة للمعنى و يكتنفها بعض الغموض من ذلك أن الفصل 131 ينصّ على أنه "تساهم هيئة الحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد في سياسات الحوكمة الرشيدة و منع الفساد " ، و في تقديري أن هذه الجملة لا توضح مفهوم الحوكمة الرشيدة و الفرق بينها و بين سياسات الحوكمة الرشيدة و من بين الأمثلة الأخرى التّي يمكن أن نسوقها الفصل 114 الذّي صيغ في تركيب غير سليم ينصّ على أنّ "النيابة العمومية جزء من القضاء العدلي تشمل الضمانات المكفولة للقضاء العدلي قضاة الحكم و قضاة النيابة العمومية ".
كما أن من بين المصطلحات التي تثير إشكاليات وكانت موضوع مآخذ عديدة "عبارة التدافع السياسي" الواردة في التوطئة. وقد سبق لنا أن اقترحنا استبدال هذه الصيغة في مقالنا المنشور بجريدة الشروق بتاريخ 7 جويلية 2012. وجاء في التوطئة "أن الحوكمة الرشيدة هي أساس التدافع السياسي" و تقتضي هذه الجملة إبداء بعض الملاحظات منها أن معناها يكتنفه شيء من الغموض، ذلك أنّ عبارة الحوكمة الرشيدة ليست مستعملة في قواميس القانون الدستوري و قد أكـّد عدد من فقهاء القانون الدستوري على غرار  Armel Le DIVELLEC وMichel De VILLIERS   أن هذا القانون يجهل هذا المصطلح و أنه غير دقيق، رغم أنه مستعمل بكثرة  في  العلوم الاجتماعية فالحوكمة في الاقتصاد تعني الآليات الجديدة لتنسيق النشاطات الاقتصادية خارج التبادل و السلم التفاضلي. وفي العلوم السياسية تعني تراجع الدولة التي أصبحت ملزمة بالتأقلم مع ازدياد نفوذ الفاعلين العموميين و الخواص في الداخل و الخارج، و هم يطالبون بحقهم في التأثير و المساهمة في القرار السياسي. و من هنا برزت فكرة الحوكمة السياسية و قد وضع أسسها Jean KOOIMAN   في كتابه بعنوان Modern Governance الصادر عام 1993. و تختلف الحوكمة السياسية عن الحوكمة الرشيدة التي لها مفهوم معين ظهر بالخصوص في مقاربة البنك العالمي و المؤسسات المالية العالمية لتحديد معايير حسن سير الإدارة العمومية في الدول الخاضعة لبرامج التعديل الهيكلي. و بناء على ذلك فان الحوكمة الرشيدة متـّصلة بالجانب الاقتصادي و الإداري و بقواعد التصرّف في المؤسسات أكثر من اتصالها بالسياسة مما يجعل استعمال هذا المصطلح في التوطئة و اعتبارها "أساس التدافع السياسي" في غير محلـّه. إذ لا علاقة بين الحوكمة الرشيدة بالمفهوم الدقيق للكلمة والتدافع السياسي. ثم إنّ هذا المصطلح الأخير غريب عن لغة القانون الدستوري و لم يقع استعماله على حد علمنا في أيّ دستور من الدساتير سواء العربية أو الأجنبية، و هو مستعمل في أدبيات إيديولوجية لحركات سياسية معروفة بمرجعياتها الدينية من قبل بعض منظريها في كتاباتهم وعليه فانه لا يمكن تكريسها في نصّ الدستور الجديد الذي هو دستور كافة التونسيين وليس دستور اتجاه سياسي أو فكري أو ديني معين ولا يجوز تمرير إيديولوجيات من هذا القبيل في الدستور ليست محل إجماع كل التونسيين، فضلا على أن مسودة الدستور تضمّنت الصبغة المدنية لنظام الحكم وبالإضافة إلى ذلك فأن مفهوم التدافع السياسي في حاجة إلى توضيح مما قد يثير بعض الإشكاليات عند النظر في مسألة ملاءمة  القوانين للدستور. و من المآخذ الأخرى التي يمكن ملاحظتها ظاهرة التكرار و الأطناب أحيانا من ذلك استعمال كلمات تكاد تكون من قبيل المترادفات، مثل المخزون الحضاري و الكسب الحضاري و المكاسب الوطنية و غيرها من المعاني المتقاربة. ومن مظاهر التكرار أيضا الإشارة في التوطئة إلى "المساواة في الحقوق و الواجبات بين جميع المواطنين و المواطنات" ثمّ التنصيص في الفصل الخامس على نفس المبدأ، إذ ورد فيه "كلّ المواطنين و المواطنات متساوون في الحقوق والواجبات" وهناك تكرار آخر يتمثل في الفصلين 12 و 98 اللذين نصّا على الفكرة ذاتها وهي وجوبية الخدمة الوطنية كما وقعت الإشارة بالفصل 10 إلى الجيش الوطني ثم خصص لهذه المؤسسة الفصلان 96 و 97. والمفروض أن تكون التوطئة دقيقة وشاملة لجملة من المبادئ خالية من التكرار الذي من شأنه أن ينال من مكانتها في الدستور.

2/ في منهجية الدستور: 
إن المنهجية المتبعة في وضع مسودة الدستور شابتها عدّة اخلالات سنقف على البعض منها. فقد اشتملت المسودة على ثمانية أبواب متفاوتة الحجم، لعل أطولها باب السلطة التنفيذية وأقصرها الباب الأخير المخصص لتعديل الدستور و هذه الأبواب موزّعة على 148 فصلا، مما يجعل الدستور طويلا نسبيا مقارنة مع دستور 1959 الذي اشتمل في نسخته الأولى على 64 فصلا فقط، ثم أصبح بعد تنقيحه يضم في آخر نسخة له 78 فصلا وعلى سبيل المقارنة فان الدستور الفرنسي  الحالي يضم 80 فصلا و لعلّه كان بالإمكان أن يكون الدستور الجديد أقصر في مضامينه لو تجنبت صياغته التكرار والابتعاد عن الأسلوب الإنشائي مع الاستغناء عن التفاصيل التي يمكن إدراجها في قوانين أساسية. ومن بين المآخذ الهامة على مسودة الدستور تخصيص عدة فصول للسلطة المحلية (من 132 إلى 143) في حين أن الدستور القديم كان خصص للجماعات المحلية فصلا واحدا هو الفصل 71. على انه يمكن تبرير ذلك بأهمية التنمية الجهوية التي كانت من أبرز مطالب ثورة 14 جانفي. و من أطول الأبواب في مسودة الدستور الباب الرابع المخصص للسلطة التنفيذية (الفصول من 66 إلى 99) و بالرجوع إلى الفصول الواردة في هذا الباب ندرك أنها تناولت كيفية انتخاب رئيس الجمهورية و صلاحياته، والحكومة ورئيسها وأجهزة الدفاع و الأمن الوطني و يلاحظ القارئ بعض الخلل في القسم الثالث المتعلق بالجهازين المذكورين.ذلك أن الفصل 95 خصص للأجهزة الأمنية  فيما تعرض الفصلان 96 و97 للجيش الوطني ومهامه وحقوق العسكريين بعد أن سبق التنصيص في الفصل العاشر على مؤسسة الجيش الوطني. وكان من المفروض الحديث عنها في موقع واحد ثمّ أعيد الحديث في الفصل99 عن مهام قوات الأمن الوطني والحال أنه كان يتعين تناول هذه المسألة بالفصل 95 المخصص لهذا الجهاز مما يجعل المنهجية المتوخاة في طرق المواضيع يعتريها الاختلال ومن البديهي أنه عندما نخصص فصلا أو أكثر لمسألة معينة فإن الضرورة تقتضي استكمالها في الموقع المخصص لها ولا يجوز الرجوع إليها بعد إثارة موضوع آخر.
3/ من منظور المحتوى :
لا يمكن الحديث عن المحتوى دون الإشارة إلى طريقة العمل المتبعة في إعداد المسودة و التي أشار إليها بعض النواب بالمجلس الوطني التأسيسي، و خاصة أولئك الذين اضطلعوا بمسؤوليات هامة في صياغة الدستور و تتمثل تلك الطريقة في ما أعلنوا عنه من كونهم اعتمدوا ما سمّوه "بالورقة البيضاء أو الورقة الصفر" أي عدم اعتماد مرجعية سابقة في إعداد الدستور. وفي اعتقادنا أن هذا التمشّي خاطئ لعدة أسباب، منها أنه يتعارض مع ما تضمنته التوطئة من إشارة إلى المخزون الحضاري للشعب التونسي كما أنه لا يعقل أن نتجاهل في وضع الدستور الجديد المرجعية الفكرية والحضارية والقانونية لبلادنا ذات التاريخ المجيد، فدستور قرطاج يرجع وضعه إلى أكثر ما يفوق 3000 سنة والفيلسوف أرسطو فضله على دستور مدينة اسبرطة اليونانية. كما أن لتونس تجربة دستورية عريقة ورائدة، حسبنا التذكير بقانون عهد الأمان الصادر في 9 سبتمبر 1857، زمن حكم محمد باي ودستور 29 جانفي 1861 الذي يشتمل على 114 مادة. وقد اعتبره الأستاذ الهادي التيمومي أول دستور في العالم العربي الإسلامي. وقد مثل وضع دستور البلاد من أهم مطالب الحركة الوطنية التونسية وبعد إحراز تونس على استقلالها أعدّت مسودة للدستور مؤرخة في 9 جانفي 1957 تشتمل على 107 فصلا.  ثم وقعت صياغة مشروع للدستور بتاريخ 30 جانفي 1958 احتوى على توطئة و 117 فصلا وهذه النصوص تضمنت عدة مبادئ هامة تتعلق بالتنظيم السياسي للدولة وكذلك حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وتلا ذلك دستور غرة جوان 1959. إن تجاهل ارثنا الحضاري ومخزوننا الوطني في مادة الدستور عند صياغة الدستور الجديد والانطلاق من "ورقة بيضاء أو الورقة الصفر" حسب تعبير من سهر على صياغة مسودة الدستور أمر غير مقبول، ويتجافى مع المناهج العلمية الواجب إتباعها في وضع الدساتير ذلك أن "القطع مع الماضي" وطيّ صفحاته لا يعني محو التاريخ وكل ما وقع سنّه سابقا إذ المفروض أن يتم القطع مع مساوئه فقط والاستئناس بايجابياته. وفي هذا السياق يتجه التذكير بأن الدستور الفرنسي الحالي الصادر في 4 أكتوبر 1958 أبقى على نصين قديمين واعتبرهما جزءا لا يتجزأ من الدستور لهما نفس القيمة، وهما الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789، وتوطئة دستور 27 أكتوبر 1946 الملغى، إيمانا من واضعي الدستور الجديد بان أحكام هذين النصين مازالت صالحة ويمكن مواصلة العمل بها وإعطاؤها نفس مرتبة الأحكام الدستورية. وفي اعتقادنا انه كان بالإمكان استقاء بعض أحكام دستور غرة جوان 1959 وخاصة التوطئة التي كانت ممتازة مبنى ومعنى وشاملة لجملة من المبادئ الهامة  التي مازالت صالحة الآن وكذلك الباب الأول الذي تضمّن أحكاما تتعلق بحقوق الإنسان، منها المبادئ العامة التي ترتكز عليها تلك الحقوق، وكذلك التنصيص على أهم حقوق الإنسان الفردية والجماعية، فضلا عن أن بعض أحكام الدستور القديم الأخرى التي لم تطلها تنقيحات في العهد السابق والتي لا تتعارض مع مبادئ الثورة والنظام السياسي الجديد مازالت صالحة. ولا ننسى أن واضعي الدستور القديم يتحلون بالوطنية والكفاءة العالية وجلهم من المناضلين ونخبة البلاد.  واستغرق إعداد الدستور مدة طويلة تخللتها مناقشات عميقة وحرة وثرية. كما أن العديد من أحكام الدستور القديم مستمدة من دساتير دول عريقة في الديمقراطية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. ومن ناحية أخرى فان العبرة في الميدان السياسي ونظام الحكم وحقوق الإنسان ليست بالنصوص فقط بل الأهم من ذلك هي الممارسات الفعلية للساهرين على الشأن العام. ويستوقفنا ما قاله الجنرال دي قول عام 1964 "إن الدستور هو عقلية ومؤسسات وممارسة وان ما هو مكتوب حتى ولو كان على رق لا قيمة له إلا بالتطبيق". وبعد هذه الملاحظات الأولية المرتبطة بالمنهجية، نتطرق إلى أهم الأبواب الواردة في الدستور.        
المحور الأول: حقوق الإنسان
لقد خصص الباب الثاني من مسودة الدستور " للحقوق والحريات " وفي تقديرنا أن هذا الباب جاء مشوبا بعدة نقائص، سواء من حيث المصطلحات أو المحتوى؛ فمن الناحية الشكلية والتي لها تأثير على الجوهر، نلاحظ وجود غموض في بعض الألفاظ وغياب لبعض المصطلحات المتأكدة كان من الضروري استعمالها، تماشيا مع ما هو معمول به في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومنها مصطلح الحقوق الأساسية والحريات الأساسية والحريات العامة، وهي المصطلحات المتداولة اليوم، سواء في الإعلانات أو المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان مثل ميثاق الأمم المتحدة (التوطئة) أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة8) أو العقد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة5)، كما أن المصطلحين المذكورين مستعملان في أدبيات حقوق الإنسان، وكذلك في فقه القضاء المدني والجزائي والدستوري، الوطني والأجنبي. ومن الغريب أن جرى إقصاء تلك المصطلحات تماما في المسودة، واقتصر واضعو المسودة على استعمال عبارة الحريات والحقوق دون أي تدقيق، خاصة أن الحريات تنقسم إلى عدة أنواع. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحقوق فقد كان من الأجدر إضافة نعت"الأساسية" والذي كان مستعملا في دستور غرة جوان 1959. مع الإشارة إلى أن الفصل 6 من المسودة تحدث عن الحقوق الفردية والعامة. وكان من المفروض التنصيص على ذلك في الباب الثاني المخصص للحقوق. كما أن عبارة "حقوق عامة" غامضة ولا معنى لها. وكان من الأجدر استعمال كلمة "حقوق جماعية" التي تقابل الحقوق الفردية. وجاء في الفصل ذاته أنّ الدولة توفر أسباب العيش الكريم. وبصرف النظر عن كون هذه العبارة متداولة في الخطب السياسية الشعبوية، فإن تعهّد الدولة بذلك قد يثير مشاكل في صورة عدم الوفاء بالتزامها. وتذكّرنا هذه اللفظة بما جاء في الفصل 26 الذي نصّ على "أن الدولة تبذل كل المجهودات لضمان الحق في العمل في ظروف لائقة وعادلة"  وهذه أيضا صيغة متداولة في الخطاب السياسي ولا يمكن الارتقاء بها إلى مستوى الدستور لسببين:
أولهما : أنه لغة يقال ما يليق هذا الأمر بفلان أي ليس أهلا أن ينسب إليه ولا يحسن له حتى يلصق به، وعادة ما تستعمل هذه العبارة حينما تصدر عن شخص تصرفات سيئة لا تتماشى مع مكانته، مما يجعل اقتران هذه اللفظة بالحق في العمل في غير محله، فضلا عن عدم وضوح المقصود بالظروف اللائقة.
ثانيهما: يصعب تحقيق ظروف عمل عادلة لكل عامل، كما يمكن لأي شخص أن يدّعي أن ظروف عمله ليست لائقة، خاصة و أن هناك صنفا من الأعمال لا تمارس في ظروف حسنة بحكم طبيعتها وخصوصياتها. ويتعين إعادة صياغة هذا الفصل. مع الإبقاء على تأكيد الحق في الشغل لارتباطه بالكرامة الإنسانية. والتي لا تتحقق بدون توفير مورد رزق. وكان هذا من أهم مطالب الثورة.
وإذا نظرنا إلى محتوى الباب الثاني من المسودة والمشار إليه أعلاه نلاحظ أنه اعترته نقائص هامة في مقدمتها، عدم التنصيص على بعض المبادئ العامة التي ترتكز عليها حقوق الإنسان والتي تبقى غير مضمونة بدونها، حتى أن بعضهم سماها القيم الدستورية، وهي دولة القانون والتعددية وكونية حقوق الإنسان التي تمّ استبعادها قصدا، استنادا إلى تبريرات غير مقنعة ذكرها بعضهم، فكونية حقوق الإنسان لا تتعارض مع تعاليم الإسلام السمحاء. فقد كرّم الله تعالى في كتابه العزيز بني آدم. وجاء في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع "أيها الناس إن ربكم واحد وإن آباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى" كما أنها لا تتعارض مع الخصوصية، فكونية حقوق الإنسان تعني أنها حقوق تمنح لكل إنسان بدون تميز وفي كل مكان وفي أيّ نظام سياسي، باعتبار أن كل البشر ينتمون إلى الأسرة الإنسانية ومتساوون من حيث الكرامة، وهي حقوق طبيعية يملكها الإنسان. وترتكز الكونية على فكرة وحدة العائلة الإنسانية على حد تعبير René CASSIN. ومعلوم أن كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان أكدت كونيتها. فقد جاء في البيان الختامي للمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا خلال شهر جوان 1993 أنه "لا تقبل الطبيعة العالمية لهذه الحقوق والحريات أيّ نقاش وأن جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة". وللكونية جذور في ميثاق الأمم المتحدة بالمادة الأولى والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالديباجة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة3).
ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الفصل الخامس من دستور غرة جوان 1959 أقرّ كونية حقوق الإنسان ولا يعقل أن يكون الدستور الجديد في تأخر، قياسا بالدستور الملغى، فيما يتعلق بهذه المسألة الحيوية. ولعله كان من الأجدى الإبقاء على الفصل الخامس من الدستور القديم الذي تضمّن أبرز المبادئ العامة التي ترتكز عليها حقوق الإنسان.
وعلى صعيد آخر، لم يقع التنصيص على بعض الحقوق الهامة منها حرية الصحافة، إذ تمّ الاقتصار على التنصيص في الفصل 36 على ضمان حرية الرأي والتعبير والإعلام والإبداع وكان من المفروض إضافة حرية الصحافة صراحة، إذ هناك فرق بين الإعلام والصحافة بدليل أن نفس المسودة تضمنت في فصلها 64 الذي ضبط ميدان القوانين الأساسية التنصيص على الإعلام والصحافة والنشر. ولم تتضمن المسودة أيضا الجيل الرابع من حقوق الإنسان وهو جيل حديث نسبيا يشمل بعض حقوق الإنسان التي قد تصبح مهددة بسبب تطور تقدم التكنولوجيا في ميادين الإعلامية والمواصلات الإلكترونية والطب والبيولوجيا. ولم يقع التنصيص على بعض الحقوق الأخرى. كحق اللجوء السياسي، ومنع تسليم الأجنبي السياسي، تماشيا مع اتفاقية جينيف الخاصة بالأجنبيين والمبرمة في 28 جويلية 1951، ومنع الإيقاف التعسفي والحق في السكن؛ وهناك صيغة كثيرة الاستعمال في هذا الباب وهي "تضمن الدولة" ولئن كانت الدولة مطالبة فعلا بضمان بعض الحقوق وعليها التزام بتحقيق نتيجة منها تحقيق الأمن للمواطن والاستقرار وضمان حرمته الجسدية وتكوين الأحزاب السياسية وغيرها، فإن هناك حقوقا أخرى يستوجب تحقيقها إمكانيات مادية قد لا تكون متوفرة لدى الدولة. وفي هذه الصورة يتعيّن الاقتصار على التنصيص على أنّ الدولة تسعى إلى ضمان تلك الحقوق. وهناك حقوق تكتسي هي الأخرى أهميتها ولم يقع التنصيص عليها في باب الحقوق والحريات. وتمت الإشارة إليها في الباب الأول الخاص بالمبادئ عامة، ومنها حرية المعتقد التي تعرّض لها الفصل 4 حيث نص على "أنّ الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات ضامنة لحياد دور العبادة عن الدعاية الحزبية"، ولا شكّ في أنّ صيغة هذا الفصل تثير عدة تساؤلات وإشكاليات حساسة.
أولا من الناحية المنهجية، كان من المفروض التنصيص صراحة على حرية المعتقد في الباب الثاني الخاص بالحقوق والحريات، وبالتحديد في الفصل 36 المتعلق بالحقوق الفكرية وليس التنصيص عليها في نفس الفصل الذي ينص على رعاية الدولة للدين، كما أن عبارة المقدسات عامة وغير دقيقة، بل يكتنفها بعض الغموض. فهذه العبارة مشتقة من قدس وهي تعني الطهر، والتقديس يعني أيضا التبريك ومنها الأرض المقدسة أي المباركة. فإذا كان المعنى اللغوي هو الذي ذكرنا والذي ينطوي على الطهارة والبركة اعتمادا على أمهات مصادر اللغة العربية فيحق التساؤل عن المقصود بالمقدسات المستعملة في مسودة الدستور والتي على الدولة حمايتها؟ ونظرا إلى عدم  دقة هذه الكلمة، فإنه يخشى تباين الآراء في فهمها، مما تنتج عنه تأويلات كثيرة، لأن ما هو مقدس في نظر البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، إذ ليس هناك قائمة متفق عليها في المقدسات.  
ولعله كان من الأفضل تفادي استعمال هذه العبارة وتعويضها بلفظة أخرى أكثر وضوحا ودقة ومتفق على معناها. وفي اعتقادنا انه يتعين إعادة صياغة الفصل 4 تجنبا لإشكاليات محتملة بل منتظرة، فضلا عمّا أثارته هذه المصطلحات من تخوفات.
وهناك جملة أخرى وردت في نفس الفصل وهي "حياد دور العبادة عن الدعاية الحزبية".ولا شك أن هذه الصيغة تحيل إلى مسألة علاقة الدين بالسياسة، وهو موضوع متشعب مازال محل جدال كبير. ونعتقد أنه يتعين تغيير هذه الجملة وذلك بالتنصيص صراحة على منع تعاطي السياسة داخل دور العبادة باعتبارها مخصصة لهذا الغرض دون سواها، سيما وأن الدستور ضامن لحرية تكوين الأحزاب السياسية، وهناك إطار قانوني مضبوط لممارسة النشاط السياسي. ونشير في الآخر إلى بعض حقوق لم ترد في موقعها الطبيعي، مثل الحق في التقاضي و حق الدفاع والمساواة أمام القضاء الذي ورد في الفصل 104 والحال أنه كان من الأجدر التنصيص عليه في الباب الخاص بالحقوق والحريات.
هذا ولم يقتصر الباب الثاني على ضمان الحريات والحقوق بل اكتفى بذكر بعض واجبات المواطنة. وكان من الأحسن إفراد باب مستقل لتلك الواجبات والتنصيص فيه على واجب الولاء لتونس والدفاع عن سلامة التراب الوطني والتشبع بروح المواطنة لأن الحقوق تقابلها الواجبات أيضا.

يتبع

----------------------------------


قراءة نقدية في مسودة الدستور: ملاحظات ومقترحات
من أجل دستور لكل الشعب
                                                           بقلم الدكتور عبد الله الأحمدي
2/2
تعرض الأستاذ الأحمدي في الجزء الأول من هذه الدراسة لصيغة تحرير مسودة الدستور والمنهجية المتبعة في صياغتها من حيث المبنى والمحتوى وكذلك الحقوق والحريات الواردة فيها ويتطرق في الجزء الثاني إلى محاور أخرى تتعلق بالسلطة التنفيذية ومهام رئيس الجمهورية والحصانة التي يتمتع بها وتوزيع الصلاحيات بينه وبين رئيس الحكومة وتعديل الدستور:
المحور الثاني: طبيعة النظام السياسي في مسودة الدستور:
قبل النظر في هذه المسالة الهامة يتجه التذكير بأهم الأنظمة السياسية المعمول بها في بعض الدساتير الأجنبية.
يقسم عادة الفقه الدستوري الأنظمة السياسية إلى نوعين هما النظام البرلماني والنظام الرئاسي ويحسن التذكير بخصائص كل واحد منهما.
-          النظام البرلماني : نشأ هذا النظام في انقلترا ويتميز بجملة من المبادئ منها قاعدة الفصل المرن بين السلطات والتعاون فيما بينها ووجود وسائل ضغط متبادلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من أهمها مسؤولية الحكومة أمام البرلمان وإمكانية سحب الثقة منها بواسطة لائحة لوم ومقابل ذلك إمكانية حل البرلمان من قبل السلطة التنفيذية وبذلك يوجد توزن بين السلطتين. ومعلوم انه لا يوجد نمط واحد للنظام البرلماني مما جعل فقهاء القانون الدستوري يتحدثون عن الأنظمة البرلمانية في صيغة الجمع.
-          النظام الرئاسي: وقد نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية وكرسه دستور 17 سبتمبر 1787 وهذا النظام يعتمد الفصل الكامل بين السلطات وضبط اختصاص كل جهاز من أجهزة الدولة وعدم وجود ضغط إحدى السلطات على الأخرى إذ أن كل واحدة منها مستقلة عن الأخرى فالسلطة التنفيذية ليست مسؤولة أمام البرلمان والذي لا يمكن حله من قبل السلطة التنفيذية.
-       النظام المزدوج: هناك نظام مزدوج وقد سماه بعضهم نظام نصف رئاسي يكون فيه الرئيس منتخبا بالاقتراع العام والمباشر من طرف الشعب والحكومة مسؤولة أمام البرلمان مع إمكانية حلّه من قبل الرئيس وهذا النمط من النظام معمول به في عدة بلدان في مقدمتها فرنسا والنمسا وفنلندا والبرتغال وايرلندا. وهناك أيضا نظام آخر أطلق عليه إسم النظام الرئاسوي الذي يتمتع فيه الرئيس بنفوذ شبه مطلق وكان معمولا به في بعض دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإفريقية حتى قال بعضهم أن الرئيس في هذه الأنظمة يكاد أن يكون كل شيء.
وبالاطلاع على مسودة الدستور يتبين أن النظام التي تم إقراره مزدوج يجمع بين خصائص النظام البرلماني والنظام الرئاسي ولكن تغلب عليه الصبغة البرلمانية نظرا لمسؤولية الحكومة أمام مجلس الشعب وإمكانية سحب الثقة منها ومحدودية نفوذ الرئيس نسبيا بالقياس إلى ما هو معمول به في الأنظمة الرئاسية التي يتمتع فيها الرئيس بنفوذ كبير. ويتجلى ذلك خاصة في صلاحيات السلطة التنفيذية وعلاقاتها بمجلس الشعب ويتضح ذلك في المحاور التالية:      
المحور الثالث: في السلطة التنفيذية:
من أهم المستحدثات الواردة في مسودة الدستور إقرار سلطة تنفيذية "ذات رأسين" (Bicéphalisme) وهما رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وهذا معمول به في جميع الدساتير البرلمانية، في حين أن في الأنظمة الرئاسية تكون السلطة التنفيذية عادة ذات رأس واحد (Monocephale) يجسّمها رئيس الجمهورية الذي قال عنه الجنرال دي قول في ندوة صحفية يوم 14 جانفي 1964 "إن سلطة الدولة التي لا تقبل التجزئة منحها الشعب للرئيس الذي انتخبه". إن طبيعة النظام السياسي الجديد يجمع بين النظام الرئاسي، إذ يمنح للرئيس بعض الصلاحيات رغم أنها ضعيفة، وهذا لا يتماشى مع كونه منتخبا انتخابا حرا مباشرا من الشعب، مما يعطيه شرعية أساسية، وبين النظام البرلماني ومن مظاهره أن الحكومة مسؤولة أمام البرلمان. غير أن ثنائية السلطة التنفيذية تثير بعض الإشكاليات فيما يتعلق بتحديد صلاحيات كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة وتوزيع السلطة بينهما، خاصة أن رئيس الحكومة ينبثق من الأغلبية أو الائتلاف البرلماني، في حين أن الرئيس، ولئن كان منتخبا من الشعب، فإنه قد لا يتمتع بأغلبية برلمانية، خلافا لما ما هو سائد في فرنسا اليوم وبعض الأنظمة الأجنبية الأخرى، رغم أنه في بعض الحالات يفقد رئيس الجمهورية في فرنسا الأغلبية وهذا ما وقع في ولاية ميتيران، مما أدى إلى مرحلة خاصة سمّيت "التعايش". وبالرجوع إلى مسودة الدستور، يتضح أنّ واضعيها ضبطوا صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وكما لوحظ وجود بعض التباين مع آراء الهيأة المشتركة والصياغة التي أبدت عدم موافقتها على بعض الأحكام الواردة في المسودة.
 وسنحاول الوقوف على بعض الفصول المتعلقة بصلاحيات " رأسي " السلطة التنفيذية.
وهناك ملاحظة أولية تتمثل في ضرورة الأخذ بعين الاعتبار في تحديد صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور الجديد أنه منتخب مباشرة من الشعب، مما يجعل شرعيته لا نزاع فيها وكاملة لا تقل عن شرعية البرلمان، بل يرى بعضهم أنها تعلوها، لأن النواب منتخبون في نطاق " منافسة جهوية " على حد تعبير الجنرال دي قول، وأن هناك عقدا بين الرئيس والشعب على حد قول الرئيس فرنسوا ميتيران عام 1981 .وبناء على ما تقدم، فإنه لا بدّ أن تمنح للرئيس صلاحيات هامة دون الوقوع في مخاطر الانحراف بالسلطة المؤذن بالديكتاتورية والحكم الفردي وانتكاس الديمقراطية. ويتجه النظر في الوظيفة العامة لرئيس الجمهورية وفي الإشكاليات والمسائل ذات الصلة بالعلاقة بين رئيسي السلطة التنفيذية.
-          الوظائف العامة لرئيس الجمهورية:
حدد الفصل 68 من المسودة الوظائف العامة للرئيس فهو "رئيس الدولة يمثل وحدتها ويضمن استقلالها واستمراريتها ويسهر على احترام الدستور والمعاهدات وحقوق الإنسان". يذكّرنا هذا النص بالفصل 87 من الدستور الإيطالي، وبالفصل 5 من الدستور الفرنسي، وكأنه مستقى منهما ولا ضرر في ذلك، إذ لا مانع من الاستئناس بدساتير دول ديمقراطية. ولكن في اعتقادنا انه يمكن إعادة صياغة هذا الفصل الهام في الدستور، ما دام يحدد وظيفة رئيس الجمهورية وذلك للتوسيع في مهام الرئيس ومزيد الدقة في ضبطها بكيفية تتماشى مع أنه سيكون منتخبا من قبل الشعب انتخابا حرا مباشرا. ونقترح في هذا الشأن الصياغة التالية "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة وهو الضامن لاستقلال الوطن ووحدته وحرمة أراضيه والساهر على احترام الدستور والمعاهدات وحقوق الانسان وعلى السير المنتظم للسلطات العمومية واستمرارية الدولة".
العنصر الأول: رئيس الجمهورية وتعيين رئيس الحكومة وأعضائها:
من الطبيعي أن يعيّن رئيس الدولة رئيس الحكومة، شريطة أن يكون ممثلا للحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية بمجلس الشعب. وهذا ما جاء في الفصل 87 من المسودة. لكن ظهرت آراء متباينة حول كيفية تسمية الوزراء وكتاب الدولة، إذ هناك اتجاه يدعو إلى أن يتم التعيين من الرئيس باقتراح من رئيس الحكومة وبالتوافق معه بخصوص القطاعات الراجعة بالنظر إلى رئيس الجمهورية، واتجاه ثان ينفرد بمقتضاه رئيس الجمهورية بتعيين وزراء القطاعات الراجعة إليه بالنظر.إنّ هذين المقترحين قابلان للنقاش، إذ يطرحان إشكالية دقيقة تتمثل في ضبط القطاعات الراجعة بالنظر إلى الرئيس، والأخرى الراجعة بالنظر إلى رئيس الحكومة، خاصة وأنّ المسودة لم تحدد ذلك، مما يجعل الإشكالية قائمة. وفي تقديرنا أن التعيين يجب في كل الحالات أن يتم من قبل رئيس الجمهورية، وهذا أمر بديهي. على أن يتم ذلك باقتراح من رئيس الحكومة وذلك بقطع النظر عن مختلف القطاعات المعيّنة بالمناصب الوزارية. ولم تتعرض مسودة الدستور لإمكانية إنهاء مهام رئيس الحكومة أو أحد أعضائها من قبل رئيس الجمهورية. مع الملاحظة أن الدستور الفرنسي الحالي والذي يقرّ أيضا مسؤولية الحكومة أمام الجمعية الوطنية (أي البرلمان) يخوّل في فصله الثامن لرئيس الجمهورية إنهاء مهام الوزير الأول بناء على تقديم استقالته واستقالة الحكومة.
العنصر الثاني: التعيينات في بعض الوظائف السامية الأخرى:
ثمّة تباين في الآراء حول هذه المسألة، فضلا عمّا تتسم به المسودة من غموض خاصة الفصل 72 وهناك نزعة إلى حصر صلاحيات رئيس الجمهورية فيما يتعلق بنوعية الوظائف السامية التي يتمتع فيها الرئيس بصلاحيات التعيين. ووقع التركيز على وزارة الشؤون الخارجية والوظائف العسكرية ويبدو أنّ هناك أغلبية داخل الهيأة المشتركة للتنسيق والصياغة تعتبر أن الأمن خارج عن صلاحيات رئيس الجمهورية. وفي اعتقادنا أن هذا الموضوع في حاجة إلى مزيد الدرس والتدقيق لما يكتسبه من أهمية والمفروض أن تسند للرئيس صلاحيات التعيين في الوظائف العسكرية باعتباره القائد الأعلى للجيش الوطني، وكذلك في الوظائف المدنية العليا المشار إليها بالفصل 80 من المسودة والذي جاء في غير موقعه، إذ يجب أن يدمج في الفصل 71 الخاص بمهام رئيس الجمهورية، مع حصر الوظائف التي تستلزم أخذ رأي اللجنة البرلمانية المختصة في بعض التسميات الأخرى. ويمكن الاستئناس بأحكام الفصلين 13 و 14 من الدستور الفرنسي وقد جاءا في صيغة واضحة.
العنصر الثالث: اختصاصات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة:
إن توزيع الاختصاصات بينهما يعوزه الوضوح والدقة في المسودة، مما أدى إلى التنصيص في الفصل 94 على إسناد صلاحيات البت في النزاعات شأن هذه المسألة إلى المحكمة الدستورية وهو حل قابل للنقاش، لعدة أسباب منها أن بتّ هذه المحكمة في مثل هذه النزاعات قد يتطلب وقتا طويلا،مما ينجرّ عنه تعطيل فيتعطل سير المرفق العام. ويمكن تفادي الإشكاليات التي قد تنجم عن اختصاص رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بتحديد اختصاص كل واحد منهما بكل وضوح في الدستور دون حاجة إلى الالتجاء للمحكمة الدستورية بغية النظر في النزاع.
 إن المتأمل في مسودة الدستور يلاحظ أن محرريها ظلوا متأثرين بالقانون بقانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية (الدستور الصغير) الجاري به العمل الآن، والذي ضيّق من صلاحيات رئيس الجمهورية وكاد أن يجرّده من كل نفوذ فكأنه يسوس بدون نفوذ حقيقي. ونلاحظ الإبقاء على هذا التوجه في مسودة الدستور الجديد وتغليب الصيغة البرلمانية للنظام على الصيغة الرئاسية، إذ يتمتع رئيس الحكومة بصلاحيات كبيرة، فهو حسب الفصل 86 من المسودة يضبط السياسة العامة للدولة ويسهر على تنفيذها ويرأس مجلس الوزراء ويمارس السلطة الترتيبية العامة ويتصرف في الإدارة ويُصدر الأوامر الترتيبية والفردية ويختص بإحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة، إلى غير ذلك من الصلاحيات، في حين أن مهام رئيس الجمهورية محدودة نسبيا، وهذا يذكّرنا بما اصطلح على تسميته بالنظام البرلماني الواحدي الذي يكون فيه نفوذ رئيس الجمهورية شبه منعدم، خلافا للنظام البرلماني الثنائي الذي يتمتع فيه الرئيس بصلاحيات هامة.
ولا يمكن الاستمرار في نفس النظام الوارد في قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية، لأن رئيس الجمهورية سيكون منتخبا مباشرة من الشعب، فهو بذلك يكتسب شرعية لا تقل عن شرعية مجلس الشعب، وبالتالي لا بد على الأقل من توازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لأن إقرار نظام برلماني مطلق سيؤدي إلى انخرام في التوازن بينهما لفائدة السلطة التشريعية. وقد يترتب على ذلك عدم استقرار الحكومة، خاصة عندما تكون الأغلبية البرلمانية "هشّة" وغير قارة، وهذا ما يحدث عندما تتكون أحزاب صغيرة أو يستقيل بعض النواب من أحزابهم وينتقلون إلى كتل أخرى، فتتغير تركيبة الأغلبية، وربما أحيانا تندثر فينشأ عن ذلك حدوث أزمات حادة في بعض الأحيان تؤدي إلى سقوط الحكومات وصعوبة تشكيل حكومات جديدة فيتعطل سير دواليب الدولة. ويتجه التذكير بأنه خلال مدة الجمهورية الثالثة الفرنسية التي كان فيها النظام السياسي برلمانيا وقع تشكيل 104 حكومة خلال 69 سنة، وفي الجمهورية الرابعة تشكلت 23 حكومة خلال 12 سنة. وتستوقفنا في هذا السياق مآخذ بعض فقهاء العلوم السياسية على الديمقراطية النيابية، منهم جان جاك روسو الذي قال متحدثا عن الشعب الإنقليزي الذي كانت بلاده إنقلترا مهد النظام البرلماني "إنه لا يكون حرا إلا عند انتخاب أعضاء البرلمان وبعد ذلك يصبح أسيرا".  ولاحظ الحقوقي الفرنسي  Carré de Malberg أن البرلمانية المطلقة تؤدي الى اقتسام السيادة بين الأحزاب السياسية. وبقطع النظر عن مدى وجاهة هذه الآراء فانه من المستحسن إعادة صياغة المسودة وضبط صلاحيات رأسي السلطة التنفيذية بكل دقة ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات أكثر مما ذكر فيها بدون إفراط لتفادي ما قد يطرأ من خلافات بينهما.
العنصر الرابع: رئيس الجمهورية و إمكانية حل مجلس الشعب:
لا يمكن لرئيس الجمهورية حل مجلس الشعب إلا في صور محدودة، منها صورة الفصل 87 من المسودة عندما لا يتفق أعضاء مجلس الشعب على تأليف الحكومة بعد مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية. وحينئذ تقع الدعوة إلى انتخابات جديدة. كما أن الفصل 92 تعرّض لإمكانية حل المجلس، ولا يتأتى ذلك إلا بشروط دقيقة أهمها سحب الثقة من الحكومة في ظروف معينة، وليس لرئيس الجمهورية الحق المطلق في حل مجلس الشعب.
إن تقييد إمكانية حل مجلس الشعب من قبل الرئيس، ووضع شروط كثيرة من شأنه أن يحدّ من ضغط السلطة التنفيذية على التشريعية. وقد اختلفت الآراء حول هذا الموضوع، إذ يرى بعض فقهاء القانون الدستوري أن حل البرلمان من قبل السلطة التنفيذية هو من أهم خصائص النظام البرلماني باعتبار أن هذا الإجراء يحقق المساواة بين السلطتين ويحول دون الانحرافات المحتملة للبرلمان الذي بإمكانه سحب الثقة من الحكومة متى شاء. ومعلوم أنّ في النظام البريطاني يمكن حل البرلمان. كما أن الفصل 12 من الدستور الفرنسي الحالي أعطى لرئيس الجمهورية الحق في حل الجمعية الوطنية (البرلمان) دون حاجة إلى موافقة أية مؤسسة ودون تقييد هذا الحق بشروط معيّنة، وتكفي استشارة الوزير الأول ورئيس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ دون التقيد بآرائهم. ومعلوم أنه في الجمهورية الخامسة الفرنسية وقع حل البرلمان الفرنسي خمس مرات. وفي اعتقادنا انه يجب التفكير في التنصيص في الدستور الجديد على منح رئيس الدولة الحق في حل مجلس الشعب وتوسيع صلاحياته في خصوص هذا الإجراء والحد من فرض شروط قد تحول دون ممارسة هذا الحق، ضمانا للتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، خاصة أن في بعض الأزمات الحادة يكون حل مجلس الشعب ضروريا لإنقاذ البلاد، بالإضافة إلى أنه في صورة حل مجلس الشعب، تقع العودة إلى الشعب لتحكيمه وأخذ رأيه، وقد تؤدي الانتخابات الجديدة السابقة لأوانها الى انبثاق أغلبية جديدة. وخلافا لما يعتقده البعض فإن حل البرلمان لا يعدّ انقلابا على الشرعية أو على الديمقراطية مادام سيجري الاحتكام إلى الشعب لانتخاب مجلس جديد. كما أن هذا الإجراء معمول به في جل الأنظمة البرلمانية الديمقراطية في أوروبا، مثل إيطاليا وبريطانيا وغيرهما، إلا أنه لا بد من توفر بعض الضوابط لممارسة الحق لتفادي الانحراف به واستعماله في غير الغايات التي من أجلها تم إقراره في عدة دساتير، علما بأن بعض المختصين دعوا إلى ترشيد فكرة حل المجالس التشريعية.


العنصر الخامس: صلاحيات رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس الوزراء:  
في جل الدساتير يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء، وهذا ما أقره مثلا الفصل 9 من الدستور الفرنسي، والمادة 77 من الدستور الجزائري، وكذلك الدستور اللبناني الذي ورد فيه أن الرئيس يترأس مجلس الوزراء عندما يشاء، إلا أنّ مسودة الدستور أعطت هذه الصلاحية لرئيس الحكومة طبق ما هو منصوص عليه بالفصل 77 ،ولا يتولى رئيس الجمهورية رئاسة المجلس إلا في المسائل الراجعة إليه بالنظر، ويترأسه بطلب من رئيس الحكومة فيما عداه. وهذا التوجه غير معقول، إذ المفروض أنّ من الصلاحيات الخاصة بالرئيس ترؤس مجلس الوزراء، ولا يمكن إقصاؤه من ذلك وجعل الرئيس لا يمارس هذه الصلاحية إلا بطلب من رئيس الحكومة.
العنصر السادس: مخاطبة رئيس الجمهورية للشعب: 
-          أعطى الفصل 76 من المسودة لرئيس الجمهورية الحق في مخاطبة الشعب ومجلس الوزراء مباشرة أو ببيان يوجهه إليهما، غير أن الهيأة المشتركة للتنسيق والصياغة أوصت بحذف هذا الفصل، وهو موقف يثير الاستغراب فكيف يمنع رئيس الدولة الذي انتخبه الشعب من أن يخاطبه أو يخاطب البرلمان أو مجلس الوزراء. إن هذه التوصية غير مقبولة وتتجافى مع الشرعية التي يتمتع بها الرئيس، فضلا عن أنها لا ترتكز على أيّ أساس منطقي. إذ كيف يحرم رئيس الدولة من مخاطبة شعبه الذي انتخبه.
-          رئيس الجمهورية وإصدار المراسيم:
من المعلوم أنه يمكن للسلطة التنفيذية اتخاذ مراسيم في بعض الحالات الاستثنائية، منها في صورة حل البرلمان أو أثناء عطلته. وعند استحالة انعقاده وذلك ضمانا لاستمرارية الدولة، إذ يتعذر سنّ قوانين عادية. وتعرّض الفصل 61 من مسودة الدستور لهذه الحالة. وهناك صيغتان الأولى تسند صلاحية اتخاذ المراسيم لرئيس الحكومة، والثانية إسنادها لرئيس الجمهورية. و ارتأت الهيأة المشتركة للتنسيق والصياغة اعتماد الصيغة الأولى، وهو موقف غير وجيه. ذلك أن اتخاذ المراسيم لا يكون إلا من قبل رئيس الجمهورية فالمفروض أنه هو الذي يوقعها وهذا معمول به في عدة بلدان مثل الدستور الفرنسي (الفصل38). كما أن البرلمان يصادق لاحقا على تلك المراسيم بموجب قوانين.
العنصر السابع: حصانة رئيس الجمهورية:  
يتمتع عادة رؤساء الجمهورية في العالم بحصانة قضائية تحول دون محاكمتهم أثناء مدة ولا يتهم ويبرّر بعضهم هذه الحصانة بمبدأين:
 أولهما: مبدأ تفريق السلط، ومن متطلباته  المحافظة على دائرة  اختصاص كل جهاز من أجهزة الدولة وخاصة فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وهذا ما أكدته المحكمة العليا الأمريكية في قرار لها صدر عام 1982.
ثانيهما: ضرورة استمرار الدولة التي يمثّلها رئيسها، وفي هذا البيان يقول الأمريكيون "إن الرئيس الناطق دستوريا لا ينام إطلاقا ".
وينص الفصل 68 من مسودة الدستور على "أنّ رئيس الجمهورية يتمتع أثناء ممارسة مهامه بحصانة قضائية، كما ينتفع بهذه الحصانة القضائية بعد انتهاء مباشرته لمهامه بالنسبة إلى الأفعال التي قام بها بمناسبة أدائه لمهامه". وبالتأمل في صيغة هذه الفقرة يتبين أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة تكاد تكون مطلقة، إذ لا يسأل عن الأفعال التي ارتكبها أثناء مدة رئاسته، فلا تجوز مقاضاته من أجلها، سواء في مدة مباشرته لمهامه أو حتى بعد الانتهاء منها. ومما يزيد في قوة هذه الحصانة أنها تشمل كل الأفعال، مهما كان نوعها، إذ يكفي أن تكون "بمناسبة أدائه لمهامه" وكان من الأفضل أن تكون لها علاقة بها باستثناء الخيانة العظمى المنصوص عليها بالفصل 85 التي لا تشمل جرائم الحق العام سوى الرشوة. كما أنه لم يتم التنصيص على الأقل، على أنّ الأفعال موضوع الحصانة يجب أن تكون لها علاقة بمباشرة مهامه. ومن ناحية أخرى تطرح بعض الإشكاليات، منها مدى إمكانية تتبع رئيس الجمهورية ومحاكمته إذا ارتكب أثناء مباشرته لمهامه جرائم، سواء كانت جنحا أو جنايات ؟ وكذلك الشأن إذا تبيّن بعد مباشرته لمهامه أنه كان ارتكب قبل انتخابه جريمة لم تسقط بمرور الزمن ولم يقع  اكتشافها قبل مباشرته لمهامه. فهل يمكن تتبعه من أجلها؟ لم يتعرض الفصل 68 من مسودة الدستور لهذه الفرضية الثانية. أما بالنسبة إلى الفرضية الأولى، فإن صيغة الفصل 68 الحالية تحول دون تتبعه باعتبار أن الحصانة القضائية الممنوحة له تبقى سارية المفعول حتى بعد انتهاء مهامه.
إن الفصل 68 من مسودة الدستور يعطي حصانة مطلقة ونهائية لرئيس الجمهورية  في حين أنه بالنسبة إلى الأفعال التي لا علاقة لها بمهام الرئيس، والتي تقع تحت طائلة القانون الجزائي لأنها تشكّل جرائم حق عام فإنه من المفروض أن تقع محاكمته من أجلها بعد انتهاء مهامه، أي أن يتم تعليق إجراءات التتبع حتى لا تسقط بمرور الزمن، وينطلق التتبع بمجرد انتهاء مهامه. وقد أقرت عدة دساتير هذا المنهج، منها الدستور الفرنسي (الفصل67) الذي حجّر تتبع رئيس الجمهورية أثناء ولايته ولا يمكن سماعه حتى كشاهد، والدستور البرتغالي (الفصل 133 – الفقرة 4) وكذا اليوناني (الفصل 49 – الفقرة الأولى). وعموما فإن الحصانة الممنوحة لرؤساء الدول تتعلق بالأعمال التي يقومون بها والتي لها صلة بممارسة مهامهم. وأقرت جل الدساتير الأجنبية في عدة بلدان ذلك، مثل النمسا وبلغاريا وفينزولا والمجر وإيرلندا وإيطاليا والبرتغال. كما أن دستور الولايات المتحدة أقر عقوبة العزل impeachment للرئيس ونائبه والموظفين الساميين ومحاكمتهم من أجل الخيانة أو الرشوة أو الجرائم أو الجنح الخطرة.
وفي اعتقادنا أنه لا يمكن تمتيع رئيس الجمهورية بحصانة مطلقة تجعله في مأمن من كل تتبع ومحاكمة ما دام على رأس الدولة، لأن مثل هذا النوع من الحصانة لا وجود له إلا في الأنظمة الملكية. وهذا ما أقرته دساتير البلدان التي يوجد بها نظام ملكي. مثل هولندا (الفصل42) وبلجيكا (الفصل88) والدانمارك (الفصل13) الذي ينصّ دستورها صراحة على "أن الملك غير مسؤول وأن شخصه مقدس".
ولقد ظهر اتجاه حديث في الفقه الدستوري يدعو إلى إقرار المسؤولية الجزائية والمدنية لرئيس الجمهورية حتى أثناء مباشرته لمهامه، وذلك استنادا إلى مبدأ مساواة كل المواطنين أمام القانون، وعملا بالقاعدة القائلة بأنه يتعين أن ينطبق نفس القانون على الجميع، سواء كان للحماية أو الردع لكن مع البقاء على إقرار عدم مسؤولية الرئيس عن الأفعال التي قام بها بصفته تلك، إذ لا بدّ من حصانة قارة لوظيفته لأنها ضرورية حتى يتمكن من اتخاذ القرارات الداخلة في نطاق صلاحياته الدستورية خدمة لمصلحة البلدان. أما بقية الأفعال الأخرى التي يقوم بها والتي لا تندرج ضمن مهامه الدستورية والتي من شأنها أن ترتب مسؤوليته الجزائية، كأن يرتكب جرائم حق عام أو أفعالا تلحق أضرارا بالغير تستوجب مقاضاته مدنيا، فإنه لا يمكن أن يتمتع بحصانة في شأنها ولا يمكن أن يبيح منصب رئيس الجمهورية ارتكاب جرائم الحق العام أو المس بالحقوق المدنية للآخرين، خاصة وقد ثبت أن بعض رؤساء دول ارتكبوا أفعالا إجرامية أثناء مدة ولا يتهم ولا علاقة لها بصلاحياتهم، ولا يمكن أن تكون الوظيفة الرئاسية غطاء يحميهم من كل تتبع. ولكل هذه الاعتبارات فإنه يتعين تغيير الفصل 68 من مسودة الدستور والتخلي عن الحصانة المطلقة لرئيس الجمهورية والتفكير في آليات تنظم شروط وإجراءات المسؤولية الجزائية والمدنية لرئيس الجمهورية وتضمن التوفيق بين المحافظة على متطلبات الوظيفة الرئاسية من جهة حتى يتمكن الرئيس من ممارسة صلاحياته الدستورية، ومن مقتضيات دولة القانون التي من مظاهرها خضوع الجميع للقانون بما في ذلك الدولة نفسها وقادتها.ويمكن الاستئناس بالدساتير الأجنبية وبعض المراجع الحديثة والهامة الصادرة أخيرا في هذا المضمار وقد أعطى الفصل 85 من المسودة لمجلس الشعب إمكانية اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى، شريطة حصول أغلبية ثلثي الأعضاء وإحالته على المحكمة الدستورية لمقاضاته من أجل ذلك، وإذا ثبتت التهمة في حقه تقضي بعزله فقط وليس لها أن تصدر ضده حكما يقضي بتسليط عقوبات جزائية عليه. واعتبر نفس الفصل الرشوة والفساد المالي وإيثار مصالح أطراف أجنبية على المصالح العليا الوطنية بمثابة خيانة عظمى. والرأي عندنا أن مقتضيات هذا الفصل في حاجة إلى المراجعة، فإسناد مهمة محاكمة رئيس الجمهورية للمحكمة الدستورية يعدّ أمرا غير مستساغ، إذ أنه ولئن كان أعضاؤها سيكونون منتخبين فان المترشحين لتركيبها معينون حسب الفصل 118 من المسودة وكان من الأجدر جعل مجلس الشعب هو الذي ينتصب كمحكمة لمقاضاة الرئيس، باعتباره يمثّل الشعب الذي انتخب بدوره رئيس الدولة فالشعب هو المؤهل لعزله. وقد توخت هذا المنهج عدة دساتير مثل دستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي خوّل لمجلس النواب اتهام الرئيس وإحالته على مجلس الشيوخ برئاسة رئيس المحكمة العليا لمقاضاته وعزله عند الاقتضاء. وكذلك دساتير البرازيل وكولومبيا ورومانيا وفرنسا. غير أن هناك دولا أخرى أسندت هذه المهمة إلى المحاكم الدستورية مثل النمسا وألمانيا وايطاليا وبلغاريا وغيرها. وهناك دول أخرى أحدثت محاكم خاصة للغرض، مثل اليونان وايرلندا وبولونيا.
العنصر الثامن: تعديـل الدستور:
 ينص الفصل 147 من المسودة على عدم إمكانية تعديل الدستور إلا بعد خمس سنوات من دخوله حيز التنفيذ. وفي رأينا أنّ أحكام هذا الفصل غير وجيهة، إذ انه من المبادئ المتفق عليها في الفقه الدستوري أن تعديل الدستور هو حق مطلق للشعب، له أن يمارسه متى شاء ولا يمكن الحد من هذا الحق، بالإضافة إلى أنه لا يمكن للمجلس الوطني التأسيسي أن يحرم الشعب  من هذا الحق فمهمته تنتهي بمجرد المصادقة على الدستور ولا تمتد صلاحياته إلى ما بعد ذلك، وليس له أن يفرض على الشعب أحكاما تتعلق بالمستقبل. فالشعب هو صاحب السيادة وسيمارسها عن طريق مجلس الشعب الذي سيقع انتخابه لاحقا وهو الذي سيمثله. ومن ناحية أخرى فان هذا الفصل لن يقيّد الشعب أو مجلس الشعب. إذ يمكن تعديل الدستور، سواء بمصادقة مجلس الشعب على ذلك أو عن طريق الاستفتاء، ولا يجوز الطعن في هذا التعديل إن وقع. ويتجه حذف هذا الفصل لعدم مشروعيته وعدم جدواه، ذلك أنه يمكن لمجلس الشعب لاحقا حذف هذا الفصل بموجب قانون دستوري أو عن طريق الاستفتاء.
كما أن الفصل 148 من المسودة حجّر أي تعديل ينال من الإسلام، باعتباره دين الدولة واللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية والنظام الجمهوري والصفة المدنية للدولة ومكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في الدستور.
إن هذا الفصل يكرّس ما اصطلح على تسميته في الفقه الدستوري نظرية "ما فوق الدستور" (supra-constitutionnalité)  أي قيم أو قواعد أو أحكام تعلو الدستور ولا يمكن النيل منها. وهناك بعض الدساتير في العالم تضمنت أحكاما مجسّمة لهذا التوجه، مثل الدستور الايطالي والألماني وخاصة البرتغالي. غير أن نظرية "ما فوق الدستور" كانت موضوع جدال بين رجال القانون الدستوري ورفضها العديد منهم، وفي مقدمتهم أحد كبار أساتذة القانون الدستوري العميد Georges VEDEL الذي يرى أن السلطة التأسيسية هي السلطة العليا للدولة وهي صاحبة السيادة لا يمكن تقييدها وبالتالي لا وجود لقواعد أو مبادئ فوق الدستور. وصدر في هذا السياق قرار عن المجلس الدستوري الفرنسي بتاريخ 2 يسمبر1992، غير أنه في كل الحالات تبقى للشعب أو من يمثله الحرية الكاملة في تغيير أي فصل من فصول الدستور، عملا بمبدإ سيادة الشعب الذي إذا أراد تغيير الدستور فلا بد أن يستجاب له فهو الذي يقرر مصيره ولا وصاية عليه ولا سيّد فوقه.


هذه الخواطر تتعلق ببعض الأحكام الواردة في مسودة الدستور ولا يسمح المقام بالتطرق إلى كل ما جاء فيها وهناك ملاحظات أخرى تتعلق بالمؤسسات الدستورية وبقية الفصول الواردة في المسودة. والمهم هو أن يستجيب الدستور الجديد لتطلعات الشعب وأن يجسّم إرادته الحقيقية ونرجو أن يكون دستور كل الشعب وأن يكون بعيدا عن التجاذبات الفكرية والإيديولوجية مهما كانت اتجاهاتها وعن المحاصة السياسية وأن تكون أحكامه محل وفاق حقيقي بين كل الأطراف وأن يأخذ واضعوه بعين الاعتبار لآراء ومقترحات المجتمع المدني والشعب التونسي كما نتمنى أن تشارك في صياغته النهائية نخبة من الخبراء المختصين في القانون الدستوري والمصطلحات القانونية حتى يكون نص الدستور جيدا من حيث المبنى والمنهجية والمحتوى. وأخيرا نتمنى أيضا أن ينتهي إعداد الدستور في أقرب وقت ممكن فقد عيل صبر المواطنين من طول الانتظار وإن استمرار المرحلة الانتقالية في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد يضرّ بالمصلحة العليا للوطن.